تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وهو ما قالوا :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
، و
قُلُوبُنا غُلْفٌ
[ البقرة : 88 ] ونحوه من الخيال ؛ فلو جاز صرف هذه الآيات إلى ما ذكروا من الخيال لجاز لغيرهم صرف الكل إلى مثله ؛ فهذا بعيد ، ولكن عندنا أن إضافة ذلك إلى نفسه تدل على أن له فيه صنعا وفعلا ، وهو أن يخذلهم باختيار ما اختاروا هم ، أو أضاف ذلك إليه ؛ لما خلق ظلمة الكفر في قلوبهم ، وهذا معروف في الناس : أن من اعتقد الكفر يضيق صدره ويحرج قلبه ؛ حتى لا يبصر غيره ، وهو ليس يعتقد الكفر لئلا يبصر غيره ولا يهتدي إلى غيره ، لكن لا يبصر غيره ، فيدل هذا أنه يصير كذلك ؛ لصنع له فيه . وكذلك من اعتقد الإيمان يبصر بنوره أشياء ، وهو ليس يعتقد الإيمان ليبصر بنوره أشياء غابت عنه ؛ دلّ أنه بغيره أدرك ذلك ، وكذلك المعروف في الخلق أن من اعتقد عداوة آخر ، يضيق صدره بذلك ، وكذلك من اعتقد ولاية آخر ينشرح صدره له بأشياء . فهذا كله يدلّ أن لغيره في ذلك فعلا ، وهو ما ذكرنا من الخذلان والتوفيق ، أو خلق ذلك منهم - والله أعلم - فيدخل فيما ذكرنا في قوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً . . .
الآية [ الأنعام : 25 ] ، وأصله أن ما ذكر من الحجاب والغلاف والأكنة إنما هو على العقوبة لهم لعنادهم ومكابرتهم الحق ؛ لأنهم كلما ازدادوا عنادا وتمردا ازدادت قلوبهم ظلمة وعمى ، وهو ما ذكر في غير آية ؛ [ حيث ] « 1 » قال :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ . . .
الآية [ الصف : 5 ] ، وقال :
ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ التوبة : 127 ] ، وقال :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] : أخبر أن ما ران على قلوبهم بكسبهم الذي كسبوا ، وأزاغ قلوبهم باختيارهم الزيغ ، وصرف قلوبهم باختيارهم الانصراف ؛ فعلى ذلك ما ذكر من جعل الحجاب والأكنة عليها بما كان منهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
. قال بعضهم : الشيطان إذا ذكر الله ولى عنه [ وأعرض ] « 2 » وفرّ منه ، وهو ما ذكر :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ . . .
الآية [ الأعراف : 200 ] ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا . . .
الآية [ الأعراف : 201 ] . وقال بعضهم :
وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
: الإنس ، أي : ولوا عما دعوهم إليه ، وأقبلوا نحو أصنامهم التي عبدوها . وقوله :
وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ
يحتمل : وإذا ذكرت دلالة وحدانية ربك
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .