تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
قال بعض أهل التأويل : أي : لو كنتم حجارة أو حديدا فيميتكم ، لكن هذا بعيد ؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون الموت ؛ إذ كانوا يشاهدون الموت ؛ فلا يحتمل الإنكار ، ولكن كانوا ينكرون البعث بعد الموت وبعد ما صاروا ترابا ورفاتا ، إلا أن يقال : إنكم لو كنتم بحيث لا تبعثون ولا تجزون بأعمالكم لكنتم حجارة أو حديدا ، لم تكونوا بشرا ؛ لأن الحجارة والحديد ونحو ذلك غير ممتحن ، ولا مأمور بشيء ، ولا منهي عن شيء ، وأما البشر فإنهم لم ينشئوا إلا للامتحان بأنواع المحن والأمر والنهي والحل والحرمة ، فلا بد من الامتحان ؛ فإذا امتحنوا بأشياء لا بدّ من البعث للجزاء والعقاب ، فإذا لم تكونوا ما ذكر ولكن كنتم بشرا فاعلموا أنكم تبعثون وتجزون بأعمالكم على هذا يحتمل أن يصرف تأويلهم ، لا إلى ما قالوا ؛ وإلا ظاهر ما قالوا وتأولوا لا يحتمل ؛ لما لا أحد أنكر الموت . ويحتمل قوله :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً . أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
، أي : لو كنتم ما ذكر حجارة أو حديدا أو أشدّ ما يكون من الخلق لقدر أن ينشئكم بشرا من ذلك ؛ فكيف إذا كنتم بشرا في الابتداء ؟ ! أي : يعيدكم بشرا على ما كنتم كما أنشأكم في الابتداء من ماء وتراب ، وليس في ذلك الماء والتراب من آثار بشر شيء من العظام واللحوم والعصب والجلد وغيرها ؛ فمن قدر على إنشاء [ هذا قدر على إنشاء ] « 1 » البشر بعد الموت وبعد ما صار ترابا ورفاتا ، على هذا يجوز أن يتأول . ووجه آخر أن يقال : ظنوا أن لو كنتم حجارة أو حديدا أو ما ذكر لبعثكم ؛ فكيف تظنون أنه لا يبعثكم إذا كنتم ترابا ورفاتا أو كلام نحوه . وقوله - عزّ وجلّ - :
أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
. ذكروا هذا وكل ما يكبر في صدورهم على ما ذكر .
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا
. استهزاء منهم به .
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
. إنهم ، وإن قالوا ما قالوا استهزاء به وسخرية ، فقد أمر الله - تعالى - أولياءه المؤمنين أن يحاجّوهم محاجة العقلاء والحكماء مع الحجج والبراهين ، وإن كانوا قالوا سفها واستهزاء ، وعلى ذلك عاملهم الله ، وإن كانوا سفهاء في قولهم مستهزءين ، وكذلك أمر رسله أن يعاملوا قومهم أحسن المعاملة ؛ حيث قال :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] ، وقال :
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الإسراء : 53 ] وإنما ذكر الله
هامش
( 1 ) سقط في أ .