تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
في القهر والغلبة ؛ على ما عرف من عادة الملوك بالأرض : أنه يسعى كل منهم في غلبة غيره وقهر آخر ويناصبه ؛ كقوله :
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ المؤمنون : 91 ] ، أي : غلب وقهر وناصب . ويحتمل غير هذا ، وهو أن يمنع كل منهم أن يكون لله الواحد بالخلق دلالة ألوهية وربوبية ، وجهة الاستدلال [ له ] « 1 » بذلك ؛ فإذا لم يمنعوا ذلك دلّ أنه لا ألوهية لسواه ، وهو الأوّل بعينه . وقال بعض أهل التأويل « 2 » : لعرفوا فضله ومرتبته عليهم ، ولابتغوا ما يقربهم إليه ، وقيل : ولابتغت الحوائج إليه ، وهذا هو الذي ذكرناه بدءا من طلب الطاعة له . وقوله :
سُبْحانَهُ
. نزه نفسه وبرأها عما يقول الملحدة فيه ووصفوه بالشركاء والأشباه والولد وما لا يليق به ؛ فقال :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً
. ثم قال :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
. ثم يحتمل تسبيح ما ذكر وجهين : أحدهما : جعل الله - تعالى - في خلقه السماوات والأرض وما ذكر دلالة على وحدانية الله وألوهيته ، وشاهدة له أنه واحد لا شريك له ولا شبيه ؛ فإن كان على هذا فيدخل فيه كل شئ : ذو الروح وغيره ؛ فيكون قوله :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
: الكفرة خاصّة ، وأمّا أهل الإسلام يفقهون ذلك . والثاني : أنه جعل الله في سرّية هذه الأشياء ما ذكر من التسبيح والتنزيه ، لكن لا نفقه نحن ذلك ولا نفهمه ؛ على ما أخبر :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
. وهي لا تعرف - أيضا - أن ذلك تسبيح على ما جعل في الجوارح والأعضاء تسبيحا وعبادة له ، وإن كانت هي لا تعرف ذلك أنه تسبيح . والثالث : أنه جعل صوت هذه الأشياء تسبيحا له حقيقة على معرفة هذه الأشياء أنه تسبيح ، وإن كان لا يعرف ذلك إلّا خواص من الناس ، وهم الأنبياء ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - :
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
. الحليم : هو ضد السفيه « 3 » ، والثاني : يقال حليم : ليس بعجول ، أي : لا يعجل بالعقوبة .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) هو قول قتادة ، كما سبق . ( 3 ) زاد في ب : وهو الحكيم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 52 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم