تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ( 46 ) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 47 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ( 48 ) وقوله - عزّ وجلّ - :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
. قال بعضهم : إن الكفرة كانوا يمنعون رسول الله عن تبليغ الرسالة إلى الناس وقراءة ما أنزل إليه من القرآن عليهم ، وقد أمر بتبليغ الرسالة ، فأنزل الله عليه هذه الآية ، فأخبر أنّه جعل بينه وبين أولئك حجابا مستورا ، ومكن له التبليغ إليهم بالحجاب الذي ذكر ، ثم اختلف في ذلك الحجاب : قال بعضهم : شغلهم في أنفسهم بأمور وأشغال حتى بلغ إليهم . ومنهم من يقول : ألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى لم يقدروا على منع ذلك . ومنهم من يقول : صيرهم بحيث كانوا لا يرونه ، ويستمعون قراءته وتلاوته ، ولم يقدروا على أذاهم به والضرر عليه ؛ فبلغهم . وجائز أن يكون ما ذكر من الحجاب هو حجاب الفهم ؛ وذلك أنهم كانوا ينظرون إليه بالاستخفاف والاستهزاء به ، فحجبوا عن فهم ما فيه ، وهو كقوله
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ . . .
الآية [ الأعراف : 146 ] ، يدلّ على ذلك قوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ . . .
الآية [ الأنعام : 25 ] . ثم قال الحسن في قوله :
جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
، أي : طبع على قلوبهم حتى لا يؤمنوا ومذهبه في هذا أنه يقول : إن للكفر حدّا إذا بلغ الكافر ذلك الحدّ طبع على قلبه فلا يؤمن أبدا ، واستوجب بذلك العقوبة والإهلاك بالذي كان منهم ، إلا أن الله بفضله أبقاهم ؛ لما علم أنه يولد منهم من يؤمن ، أو يبقيهم لمنافع غيره ، وإلا قد استوجب الهلاك ، فيقول الحسن : أضاف ذلك إلى نفسه لما استوجبوا هم بفعلهم . وقال أبو بكر الأصم : أضاف ذلك إليه ؛ لأنهم أنفوا عن اتباع الرسل وتكبروا عليهم فاستكبروا ، لكن نقول له : الاستكبار الذي ذكرت فعلهم ، لا فعل الله ؛ فما معنى إضافة ذلك إليه ؟ ! فهو خيال وفرار عما يلزمهم في مذهبهم . وقال جعفر بن حرب : في الآية إضمار ؛ لما هم أضافوا ذلك إليه أنه هو جعل كذلك ،