تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخا كبيرا ، أو كانت المرأة دميمة ، أو عجوزا فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن ، ولا ينظر إلى ما سوى ذلك ، وأصله قول الله - تعالى - :
قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ
[ الأحزاب : 59 ] . ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكون بعورة أن المرأة لا تصلي وعورتها مكشوفة ، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة . فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز إذا لم يكن ذلك لشهوة ؛ دخل في ذلك معنى قول رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « العينان تزنيان » « 1 » ؛ لأن زناء العين لا يكون إلا النظر للشهوة ، فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم . وروي في الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة ، [ وهو ] ما روي عن عائشة قالت : دخلت عليّ أختي أسماء وعليها ثياب شامية رقاق ، وهي اليوم عندكم صفاق ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « هذه ثياب لا تحبها سورة النور فأمر بها فأخرجت » ، فقلت : يا رسول الله ، زارتني أختي فقلت لها ما قلت ، فقال : « يا عائش ، إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى إلا وجهها وكفاها » « 2 » ، فإن ثبت هذا عنه فهو يبين ما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
قد ذكرنا أن المرأة يكره لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل [ النظر ] إلى المرأة الأجنبية ؛ ألا ترى أنه روي أن أعميين دخلا على رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وبعض أزواجه عنده - عائشة وأخرى - فقال لهما رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « قوما » ، فقالتا : إنهما أعميان يا رسول الله ! ! فقال لهما : « هما وإن كانا أعميين فأنتما لستما بأعميين » « 3 » ، أو كلام نحو هذا ، فدل أنه ما ذكرنا .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) قلت : أدرج المصنف حديثين فجعلهما حديثا واحدا : فالأول : أخرجه أبو داود ( 2 / 460 ) ، كتاب اللباس : باب فيما تبدي المرأة من زينتها ( 4104 ) ، والبيهقي ( 7 / 86 ) ، عن عائشة أم المؤمنين أن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - دخلت عليها وعندها النبي صلى اللّه عليه وسلّم في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله إلى الأرض ببصره قال : ما هذا يا أسماء ؟ ! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ، وهذا ، وأشار إلى كفه ووجهه . والثاني : أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه كما في الدر المنثور ( 5 / 76 ) ، عن عائشة : أن امرأة دخلت عليها وعليها خمار رقيق يشف جنبيها فأخذته عائشة فشقته ، ثم قالت : ألا تعلمين ما أنزل الله في سورة النور ؟ فدعت لها بخمار فكستها إياه . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 6 / 296 ) ، وأبو داود ( 2 / 462 ) ، كتاب اللباس : باب في قوله تعالى :وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ( 4112 ) ، والترمذي ( 4 / 482 ) ، كتاب الأدب : باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال ( 2778 ) ، والنسائي في الكبرى ، كما في تحفة الأشراف ( 13 / 18222 ) ، وأبو يعلى ( 6922 ) ، وابن حبان ( 5575 ) ، والطبراني في الكبير ( 23 / 678 ) ، ( 956 ) والبيهقي ( 7 / 91 ) .