تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
بينهم ، والشدة على الكفار بقوله :
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] ، ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحدّ عليهم ؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان ؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما . لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه ؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ
؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم الله بالشدة على غير المؤمنين بقوله :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان ؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الإيمان والدين في تعطيل الحدّ أو تخفيفه . أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة ؛ ليتحمل ذلك الحدّ ، وإلا : لم ينتفع به في الآخرة ، وهو ألا يعذب به ؛ ألا ترى أنه قال :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
، وفائدته ما ذكرنا : أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحدّ ؛ لما يتأمل من النفع في الآخرة ، نحو : من يشرب الأدوية الكريهة ، ويفتصد ، ويحتجم ؛ لما يطمع البرء به والنفع ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في حد الزاني ؛ ليقام ذلك عليه ؛ فينجو في الآخرة عن عذابه ، والله أعلم . وقوله :
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
. وقال بعضهم « 1 » : الطائفة : واحد واثنان فصاعدا ، وكذلك قالوا في قوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] ، هما رجلان اقتتلا ؛ دل على ذلك قوله :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
[ الحجرات : 10 ] ، وهما اثنان في الظاهر ، لكن أن ينضم إلى كل واحد منهما جماعة من عشيرته ؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحدا . وقال بعضهم الطائفة : جماعة من العشيرة فصاعدا . ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام ؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجوها : أحدها : المحنة ، أراد أن يمتحن من حضر ذلك ، أو المرء قد يتألم على ضرب آخر ، وما يحل لغيره ؛ لينزجر عن مثله . والثاني : لانتشار الخبر في الناس ؛ لينزجروا عن مثله . والثالث : لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحدّ ويجاوزه على الحدّ الذي جعل له ؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 38 ) ، وعن مجاهد أخرجه ابن جرير ( 25725 ، 25726 ، 25727 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 508 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم