قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 78 إلى 83 ]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 80 ) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 )
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 )
وقوله :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
.
يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم ؛ ليتأدى بذلك الشكر له عليها ، لكنّه ذكر هنا أمهات النعم ، لم يذكر غيرها ، وهو السمع والبصر والفؤاد الذي ذكر ، إذ بها يوصل إلى معرفة :
كل نافع وضار ، وكل طيب وخبيث ، وكل لين وخشن ، وكل سهل وشديد ، وكل حلو ومر ، وكان الإنسان مطبوعا على حب النافع والطيب واللين والسهل ، واختياره على أضداده ، والهرب من كل ضار ومؤذ ، والفرار عن أضداد ما ذكرنا من المختارات عنده ؛ فأخبر أنه أعطى لهم ما يعرفون به : النافع من الضار ، والطيب والخبيث ، ونحوه شهادة وخبرا ، وما به يميزون ذا من ذا ، ويختارون ما هو المختار عندهم من غيره ، وما ينفعهم مما يضرهم ؛ ليتأدى بذلك شكره .
[ و ] يذكرهم في قوله :
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
.
أي : جعلكم سكان الأرض بقدرته وسلطانه ، وأخبر أنه لم يخلقكم عبثا ؛ ولكن للبعث بعد الموت ، والحشر إليه ؛ لما ذكرنا في غير موضع : أن خلق الخلق للفناء خاصّة لا للبعث والإحياء بعد الموت - عبث ولعب ، وأخبر عن قدرته وسلطانه ؛ حيث قال :
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
.
أي : من قدر - والله أعلم - على إحياء الموتى وإماتة الحيّ لقادر على البعث ، ومن ملك على إنشاء الليل بعد ما ذهب أثر النهار وإنشاء النهار بعد ما ذهب أثر الليل لقادر على الإحياء والبعث بعد الموت .
ثم قال :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
.
أي : أفلا تعقلون أنه كذلك ؛ فكيف تنكرون قدرته على البعث والإحياء بعد ما صرتم رمادا وترابا ؟ ! وكيف تشكرون غيره في عبادتكم إياه وتصرفون الشكر إلى غيره فيما أنعم عليكم .
وأهل التأويل صرفوا قوله :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
إلى آخره إلى الكفار ، وهم يكفرون بنعمته التي ذكر وينكرونها ، وهم لا يشكرون رأسا ؛ بقوله :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
، إلا أن يقال : إنهم في بعض الأحايين ربما يشكرون الله ويتضرعون إليه ؛ نحو قوله :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ . . .
الآية [ العنكبوت : 65 ] ، ونحوه من الآيات التي ذكر فيها دعاءهم وتضرعهم إلى الله عندما أصابهم الضرّ ؛ فذلك منهم شكر ، أو أن يقال : إن