تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وهذا عندنا أصل الاجتهاد والاستحسان ؛ لأن الكائل إنما يجتهد في توفيته الحق ، ولا يعلم يقينا أنه وفي ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد ؛ فعلى ذلك الاستحسان إنما هو اجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا لم يكن للحادثة أصل يردها عليه ويشبهها به ، والله أعلم . قوله - عزّ وجلّ - :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
. ليس النهي عن المشي نفسه ؛ إنما النهي للمشي المرح ، ثم النهي عن الشيء يوجب ضدّه ، وكذلك الأمر ، ثمّ إن النهي عن الشيء يوجب الأمر بضده ؛ [ والأمر بالشيء يوجب النهي بضده ] « 1 » وهاهنا نهي عن المرح ؛ فيكون أمرا بما ذكر ؛ كقوله :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[ الفرقان : 63 ] ، وقال بعضهم « 2 » : مرحا : بطرا وأشرا ، وقيل : متعظما متكبرا بالخيلاء . وقوله - عزّ وجلّ - :
إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
. قال بعضهم : ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولا ؛ لأن من الخلائق من يخرق الأرض ويدخلها ، ويبلغ طول الجبال ، وهم الملائكة ، ثم لم يتكبّروا على الله ولا تعظموا عليه ولا على رسوله ؛ بل خضعوا له ؛ فمن لم يبلغ في القوة والشدّة ذلك - أحرى أن يخضع له ويتواضع ولا يتكبر . ويحتمل أن يكون ذكر هذا ؛ لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين ، وقهر رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، فيقول : كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض وبلوغ الجبال طولا - لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله ، وقهر رسوله ، وهو ما ذكر :
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ
[ غافر : 56 ] ، أو يذكر هذا يقول : إنك لن تبلغ بكبرك وعظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم ، على هذا التمثيل يحتمل أن يخرج ، والله أعلم . أو يقول : إنك لن تخرق الأرض ، أي : لا تقدر أن تخرق [ الأرض ] « 3 » ؛ فتستخرج ما فيها من الكنوز والمنافع ؛ فتنتفع بها ، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولا ؛ فتنتفع بما في رؤوس الجبال من المنافع ، وكيف تتكبر وتمرح على غيرك ، وهو مثلك في القوّة والشدّة . وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من الأحداث والآفات وأنواع الحوائج - لم يتكبّر على مثله ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قاله البغوي ( 3 / 115 ) . ( 3 ) سقط في أ .