ولم تر ، وسمعت ، ولم تسمع ، وعلمت ، ولم تعلم .
ومنهم من قال « 1 » : في شهادة الزور ؛ فإن احتج محتج بهذا في إبطال القياس والاجتهاد ؛ فيقول : إذا قاس الرجل فقد قال ما ليس له به علم ، لكن ليس كذا ؛ لأن أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم قد تكلموا في الحوادث بآرائهم ، وشاوروا في أمورهم ، وولى أبو بكر عمر « 2 » - رضوان الله عليهما - الخلافة بغير نصّ من الرسول عليها ، وجعلها عمر شورى بينهم « 3 » ، ولم يرو ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا نقول : إنهم فعلوا ذلك بغير علم ، ولا : قالوا ما لم يعلموا ؛ فدلّ ما ذكرنا أن معنى قول الله - تعالى - :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
- ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام ، وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل المنصوص عليه ، والله أعلم .
وقال القتبي :
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
، أي : يتناهى في الثبات إلى حال الرجال ، ويقال :
ثماني عشرة سنة « 4 » ، وقال : أشدّ اليتيم غير أشدّ الرجل في قوله :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
، والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى ألا يؤخذ بالنقصان ، وهو إذا جاوز أربعين يأخذ في النقصان ، وإلى أربعين يكون على الزيادة والنماء .
ويحتمل قوله :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ
، أي : لا تقف ما ليس لك به علم بأسباب العلم ، وهو ما ذكر من السمع والبصر ، وجائز أن يكون :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
: يسأل عن شكر هذه الأشياء ، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء .
وفي قوله :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
- دلالة جواز الاجتهاد ؛ لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن ، ولا يقدر على ذلك إلا باجتهاد الكائل والوازن ؛ لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره وينقص ، وربما كال الرجل الشيء ثم يعيد كيله هو بنفسه فيزيد أو ينقص ، ولا يكاد يستوي الكيلان وإن كانا من رجل واحد ، وإنما يكلف الاجتهاد في كيله وترك التعمد للزيادة أو النقصان [ فيه ] « 5 » ؛ فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل وأدى الواجب ،
هامش
( 1 ) قاله ابن الحنيفة ، أخرجه ابن جرير ( 22311 ) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 329 ) .
( 2 ) انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد ( 3 / 148 ، 149 ) .
( 3 ) انظر : صحيح البخاري ( 7 / 419 ، 421 ) ، كتاب فضائل أصحاب النبي : باب قصة البيعة ( 3700 ) .
( 4 ) انظر : غريب القرآن ص ( 254 ) ، لابن قتيبة .
( 5 ) سقط في أ .