تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
على ما ذكر في آية أخرى :
مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
[ الصافات : 7 ] قال بعضهم : كل متمرد في العناد والمكابرة ، فهو مارد . وقال بعضهم : المارد : هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده ؛ ولذلك سمي الذي لا لحية له : أمرد ؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله ، والمارد بالفارسية : ستنبه . وقوله - عزّ وجل - :
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ
قال بعضهم : كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله
وَيَهْدِيهِ
أي : يدعوه
إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
، وهو ما قال في آية أخرى :
أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
[ لقمان : 21 ] . وقال بعضهم « 1 » : كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله ، أي : يدعوه إلى ما به ضلاله وهلاكه . وقوله : قيل : حكم . وقيل : قضى . و
كُتِبَ
يحتمل الإثبات ، أي : أثبت في أم الكتاب : أن من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله ، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع . وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
أي : خلقنا أصلكم من تراب ، وخلقنا أولاده من نطفة
ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ . . .
الآية . تأويله - والله أعلم - : أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا ترابا أو ماء في العاقبة ، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم ترابا وماء ، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم ترابا ؟ أو أن يكون معناه : أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة ، ومن العلقة إلى المضغة ، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد ، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثا ؛ على ما أخبر : أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث ، كقوله ؛
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] صيّر خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثا ، فعلى ذلك الأوّل . أو أن يكون تأويله - والله أعلم - :
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ . . .
إلى آخر الآية ، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه ، وما وجدوا للبشر فيه أثرا ، ولا معنى البشرية فيه ،
هامش
( 1 ) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 24919 ) ، وعن مجاهد ( 24920 ، 24921 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 620 ) .