تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
. أي : هم لا يأكلون من أرزاقكم ؛ بل لكل منكم رزق على حدة ، ليس في بقائهم نقصان في رزقكم ولا في فنائهم زيادة ؛ بل كلّ يأكل رزقه ، أو لا ترون أنّه قد أنشأ لهم رزقا لا شركة لكم فيه ، وهو ما أنشأ لهم من اللّبن في الضرع ، ولا تنتفعون أنتم به ؟ ! فظهر أن كلّا يأكل رزقه ، لا يدخل بعض في رزق بعض نقصانا . ثم قال :
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
[ أي : إن قتلهم في العقول كان خطأ كبيرا ] « 1 » ، لما ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد في إنشاء هذا العالم وفنائه ، أو يقول :
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
: في الأمم الخالية . ويشبه أن يكون خطاب ما خاطب هؤلاء الآيات : من قتل الأولاد ، والزنى ، وقتل النفس بغير حق ، وغير ذلك ما تقدم وما تأخر ؛ لوجهين : أحدهما : ما كان للعرب أفعال وعادات السوء ممّا يخرج على السفه والقبح في العقل ، خارجة عن الحكمة تنهاهم عن ذلك . والثاني : ذكر هذا ونهى ؛ لما علم أنه قد يكون في خلقه من يفعل ذلك خشية ما ذكر ، ويحملهم ذلك على ما ذكر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
. أي : في العقل كان وقت ما كان فاحشة ؛ لأن في إباحة الزنى ذهاب المعارف التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم ، أو كان فاحشة في الحكمة ؛ ألا ترى أنه قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] : دل قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
- على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل ، حتى قال :
لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
؛ إذ لو لم يكن - لكان قال : لا يأمر ، حسب ، وفي إباحة قتل الأنفس ذهاب ما به قصد من إنشاء العالم . أخبر - عزّ وجل - : [ في قتل الأولاد أنه ] « 2 »
كانَ خِطْأً كَبِيراً
، وهو ما يعظم في العقل ، وذكر في الزنى فاحشة ، وهو ما يفحش في العقل والحكمة ، وذكر في قتل النفس الإسراف ، وقال :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
، والإسراف هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له . ويحتمل قوله :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى
، أي : لا تزنوا ؛ فإنه كان فاحشة ، ويحتمل : لا تقربوا الأسباب التي بها يوصل إلى الزنى « 3 » .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : اللباب ( 12 / 270 ، 271 ) .