وقوله :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
.
قال بعضهم : إن هذه ملتكم وشريعتكم ومذاهبكم ملة واحدة وشريعة واحدة ، يعني :
شريعة الإسلام ، وملة واحدة ليست بمفترقة .
وقال بعضهم « 1 » : إن هذا دينكم دين واحد ، ليس كدين الأمم الخالية أديانا مختلفة .
أو أن يكون الأمة ما يؤم إليها ويقصد ؛ لأن الأمة هي الجماعة ، وهي المقصودة .
وجائز أن يكون إخبارا عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة ، ليسوا بمختلفين ولا بمفترقين ، كسائر الأمم الخالية ، كقوله :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا . . .
الآية [ آل عمران : 105 ] ، وقوله
وَلا تَفَرَّقُوا
الآية [ آل عمران : 103 ] أخبر عنهم أنهم غير متفرقين ، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون ؛ ألا ترى أنه قال على إثره :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في صدر الأمر أنهم على شيء واحد .
وقال الزجاج « 2 » :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
ما لزموا الحق واتبعوه ، وأما إذا تركوا لزومه وتركوا اتباعه فهي ليست بأمة واحدة ، والله أعلم .
وقوله :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
[ و ] قال في آية أخرى :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
[ المؤمنون : 52 ] ليعلم أنّ العبادة والتقوى واحد في الحقيقة ؛ لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال والعبادة ما يؤتى من الأفعال والعبادة ، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتى بما يجب إتيانه ، وإذا أتى بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه ، وهو كقوله :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
[ العنكبوت : 45 ] لأنه بفعله إياها مجتنب عن الفحشاء والمنكر .
وجائز أن يكون قوله :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
أي : توحدون ، على ما قال أهل التأويل ؛ لأنه إنما خاطب به أهل مكة .
وقوله :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
أخبر عن الأولين أنهم اختلفوا في دينهم وتفرقوا
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ومجاهد ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 24785 ، 24786 ) . وانظر : الدر المنثور ( 4 / 602 ) .
( 2 ) ينظر : معاني القرآن وإعرابه ( 2 / 44 ) .