تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ . . .
الآية [ الصافات : 143 ، 144 ] . قال بعضهم : هذا أنه كان من المسبحين قبل هذا وإلا للبث فيه إلى ما ذكر . وقال بعضهم : لولا أنه كان قال هذا القول :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
، للبث فيه ، فيكون على هذا التأويل :
كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
، أي : صار من المسبحين ، والأوّل أشبه ، ثم اختلف في قوله :
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
: قال بعضهم : ذلك الغم هو ما ابتلاه الله بالضيق في بطن الحوت والبحر ، فنجاه من ذلك الغم ، ولكن جائز أن يكون نجاه من الغم الذي كان به سبب خروجه من بين أظهرهم . وقول أهل التأويل : إن يونس مكث في بطن الحوت أربعين يوما ، أو ثلاثة أيام ، ونحو هذا فذلك لا يعلم إلا بالوحي ، فإن ثبت الوحي فهو هو ، وإلا ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة . وقال القتبي « 1 » :
وَذَا النُّونِ
يعني : ذا الحوت ، والنون : الحوت . وقال أبو عوسجة : إنما سمي : ذا النون ؛ لأن الحوت التقمه ، والنون : الحوت ، والنينان : الجمع . وقال القتبي : قوله :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
أي : لن نضيق عليه ، قال : فلان مقدر عليه ومقتر ، ومنه :
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
[ الفجر : 16 ] أي : ضيق عليه ، ومنه قوله أيضا :
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الإسراء : 30 ] أي : ضيق ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 89 إلى 90 ]

وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) وقوله - عزّ وجل - :
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً
قوله :
لا تَذَرْنِي فَرْداً
في الظاهر نهي ، وكذلك قوله :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
[ آل عمران : 8 ] : وأمثاله ، يخرج في الظاهر مخرج النهي ، وقوله :
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
[ آل عمران : 194 ] ونحوه يخرج مخرج الأمر [ والأمر ] والنهي إذا كان من العبد للسيّد فهو تعوذ ودعاء ، وإذا كان من السيد للعبد فهو أمر ونهي ، ليس بتعوذ ولا دعاء ، ولكن حقيقة الأمر والنهي ، وكذلك سؤال الأمير لرعيته أمر ونهي ، وسؤال الرعيّة للأمير تضرّع وتعوذ ودعاء .
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ص ( 287 ) .