تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
إشفاقا على نفسه ، كما خرج رسول الله من بين أظهر قومه لما هموا بقتله ، لكن رسول الله خرج بإذن ، ويونس بغير إذن . والثالث : خرج من عندهم لما أكثروا العناد والمكابرة وأيس من إيمانهم خرج ليفرغ لعبادته ؛ إذ كان مأمورا بعبادة ربه ودعاء قومه إلى ذلك ، فلما أيس من إيمانهم خرج كما ذكرنا بغير إذن من ربّه ، وإن كان في خروجه منفعة له ولقومه ، فعوتب لذلك ، ولله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
قال بعضهم :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
أي : لن نضيق عليه ، ولا نبتليه بالضيق الشديد لما خرج من عندهم ، فيقال : فلان مقدر عليه ، ومقتر ، ومضيق عليه الأمر ، وهو كقوله :
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الإسراء : 30 ] أي : يضيق ، وقوله :
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
[ الفجر : 16 ] أي : ضيق عليه رزقه . وقوله - عزّ وجل - :
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
قالوا « 1 » : في ظلمات ثلاث : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت . وقال بعضهم « 2 » : التقم الحوت حوت آخر ، فكان في بطن حوت ، وحوت آخر ، وظلمة البحر ، فقال :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
وحد ربّه ونزهه عن جميع ما قيل فيه ، ثم اعترف بذلته وذنبه « 3 » فقال :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
« 4 » فسمع الله دعاءه ، وقبل توبته ، وأخبر أنه كشف عنه الغم الذي كان له حيث قال :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
وأخبر أنه كذلك ينجي المؤمنين ، فيرجى أن من ابتلاه الله بالبلاء والشدة فدعا بما دعا به يونس أن يفرجه الله عنه ، حيث قال :
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من دعا بدعوة ذي النون استجيب له » « 5 » . ثم قال بعضهم : التقن « 6 » ذلك من الأرض لما بلغ إلى قرار الأرض فقال ذلك . وقال بعضهم : كان رجلا صالحا عابدا وكان عود نفسه ذلك قبل أن يدخل بطن الحوت ، فلما دخل فيه فكان يقول فيه على ما كان يقول من قبل ، وهو كقوله :
فَلَوْ لا أَنَّهُ
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس وعمرو بن ميمون ومحمد بن كعب ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 24769 ، 24770 ، 24771 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 598 ) . ( 2 ) قاله سالم بن أبي الجعد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 24774 ) ، وانظر الدر المنثور ( 4 / 598 ) . ( 3 ) ينظر : اللباب ( 13 / 583 ، 584 ) . ( 4 ) ينظر : اللباب ( 13 / 580 ، 582 ) . ( 5 ) أخرجه أحمد والترمذي ( 3505 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 168 ) ، والحكم في نوادر الأصول ، والحاكم وصححه ، وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص ، كما في الدر المنثور ( 4 / 599 ) . ( 6 ) ثبت في حاشية أ : التقن ، أي : فهم . شرح .