تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
فكيف من دونهم ؟ فيكون إضافته إياهم إلى نفسه ؛ لعظم قدر أولئك وفضل منزلتهم كقوله :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
[ محمد : 7 ] والله لا ينصر ، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم ، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم ، وكذلك قوله :
يُخادِعُونَ اللَّهَ
[ البقرة : 9 ] والله لا يخادع ، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه ؛ فعلى ذلك قوله : أخفيها من نفسي : أي : من خواصي وأخيار عبادي ، والله أعلم . هذا على إسقاط قوله :
أَكادُ
وجعله صلة ، وأما على إثبات
أَكادُ
فهو على وجهين . أحدهما : يقال : كاد : أراد ، أي : أريد أخفيها ، وهو معروف باللّغة . والثاني : كاد ، يقال : قارب ، وهو سائغ في اللغة ، جار ( كاد ) على إرادة مقاربة : كادت الشمس أن تطلع ، أو تغرب ، أي : قاربت وكدت أن أسقط ، أي : قاربت ، وإلا لا يريد السقوط ، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على التعظيم لها ، أي : قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره ؟ ! . وقال ابن عباس قريبا من هذا « 1 » ، أي : أكاد أخفيها من نفسي فكيف أعلنها لكم ؟ ! أي : لا أظهر عليها أبدا غيري ، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة ، نحو ما قالوا في قوله :
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
[ يونس : 54 ] أي : أظهروا ، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان ، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملا في الأمرين جميعا ، وكذلك قال أبو عوسجة :
أُخْفِيها
، أي : أظهرها ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
، أي : لهذا ما أخفيها
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد ، ويعلمها ، لما كان ذلك جزاء ، ولكن كان دفعا ؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه ، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله ؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع ، لا بحق الجزاء ، فأخبر أنه أخفاها ؛ للجزاء والمحنة ، لا للدفع ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها
، أي : عن الإيمان بها
مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها
يعني : السّاعة ، والله أعلم . لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك ، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل ، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح ، والله أعلم ، أي : لا يصدنك
هامش
( 1 ) أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 4 / 525 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 274 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم