تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
في كل ذلك على ما ذكر على إثره ، وكذلك يقول في جميع الحروف المقطعة : إن تفسيرها ما ذكر على إثرها . وأمّا غيره من أهل التأويل فإنه يقول : واذكر لهم نبأ إبراهيم وقصته في الكتاب لهم ، واذكر في الكتاب نبأ موسى وخبره وذكره ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
: الصديق : إنما يقال لمن كثر منه ما يستحق ذلك الاسم ، وكذلك التشديد إنما يشدد إذا كثر الفعل منه وصار كالعادة له والطبع ، فكأنه سمى بهذا لما لم يكن يجعل بين ما ظهر له من الحقوق والفعل وبين وفائها وأدائها إليها نظرة ولا مهلة ، بل كان يفي بها ويؤديها كما ظهر له ، ولذلك سماه - والله أعلم - : وفيّا بقوله :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم : 37 ] ، وقال في آية أخرى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ البقرة : 121 ] سماه : وفيّا ، كانت عادته القيام بوفاء ما ظهر له وإتمام ما ابتلاه به ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ
إذا دعوته
وَلا يُبْصِرُ
لو عبدته
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
إذا احتجت إليه وسألته . ويحتمل أن يكون قوله :
ما لا يَسْمَعُ
أي : لا يجيب لو دعوته واحتجت إليه ،
وَلا يُبْصِرُ
حاجتك إذا احتجت إليه ،
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
، أي : لا ينصرك . وقال بعضهم :
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
من عذاب الله في الآخرة . يقول : كيف لا تعبد من إذا دعوته سمع ، وإذا عبدته أبصر ، ونصرك إذا احتجت إليه وسألته « 1 » ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
، أي : من بيان ما يحل بك بعد الموت ، إذا مت على ما أنت عليه ،
ما لَمْ يَأْتِكَ
ذلك
فَاتَّبِعْنِي
إلى ما أدعوك إليه من دين الله ،
أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
، أي : دينا عدلا سويّا قيما لا عوج فيه ، فهذا يدلّ منه أنه قد أوحى [ إليه ] في ذلك الوقت ، ويشبه أن يكون عرف ذلك استدلالا منه واجتهادا على غير وحي ، كقوله :
هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ
[ الأنعام : 78 ] حتى انتهى إلى قوله :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً
[ الأنعام : 79 ] وكل ذلك كان له من الله ؛ ألا ترى أنه قال في آخره :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ الأنعام : 83 ] .
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 13 / 73 - 74 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 238 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم