تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وقال بعضهم : لا ، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له : هارون بن مأتان ؛ لذلك نسبوها إليه فقالوا :
يا أُخْتَ هارُونَ
. وقال بعضهم « 1 » : إن هارون كان رجلا صالحا ناسكا فيهم ، فشبهوها به ونسبوها إليه ؛ لصلاحها ونسكها . وقال بعضهم : إن بني إسرائيل تسمّي كل صالح : هارون ؛ حبّا لهارون ؛ لذلك سموها ونسبوها إلى هارون ، لنسكها وصلاحها . وقوله - عزّ وجل - :
ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
أي : ما كان أبوك ما ذكر ولا أمّك ولا أنت ، فمن أين كان لك هذا ؟ ! هذا تعريض من الكلام : ليس بتصريح ، فهو ما ذكرنا : أنهم قالوا ذلك على التعجب وليس على تصريح الفرية والقذف لها . وقوله - عزّ وجل - :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ
. أي : آتاني علم الكتاب ، ولا نفسّر أىّ كتاب هو : الإنجيل أو التوراة أو غيره ؟ لأنه قال في آية أخرى :
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[ آل عمران : 48 ] فذكر الكتاب وذكر معه التوراة والإنجيل ؛ فهذا يدلّ أن الكتاب غير التوراة والإنجيل . وقوله :
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
. هذا يدل أنّه قد تكلم بعد هذه الكلمات ، وليس كما قال أهل التأويل : إنه تكلم بهؤلاء ، ثم لم يتكلم بعد ذلك إلى أن بلغ المبلغ الذي يتكلم الصبيان ؛ لأنه أخبر أنه جعله نبيّا وجعله مباركا ، فلا يحتمل أن يكون نبيّا ولا يتكلم ولا يدعو الناس إلى دين الله ، وأيّ بركة تكون فيه إذا لم يتكلم بكلام خير ؛ فدل ذلك منه أن ليس على ما قالوا هم ، والبركة هي اسم كل خير وصلاح ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
. يحتمل : الصلاة المعروفة والزكاة المعهودة . ويحتمل : الصلاة : الثناء له والدعاء في كل وقت وفي كل مكان ، والزكاة : كل ما تزكو به النفس وتصلح وتنمو من كل خير . فإن كان الأوّل الصّلاة المفروضة والزكاة المعروفة ، فهو على تعليم الناس ، كأنه قال :
هامش
- المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، كما في الدر المنثور ( 4 / 486 ) من طريق علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقالوا : إنكم تقرءون :يا أُخْتَ هارُونَ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ، فلما قدمت على رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم سألته عن ذلك ، فقال : « إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم » . ( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير عنه ( 23687 ) .