وقوله - عزّ وجل - :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
:
فيه دلالة لزوم الكسب ؛ لأنه أمر مريم أن تهز النخلة ليتساقط عليها الرطب ، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها ؛ لتجتنى هي ، وذلك عليها أهون وأيسر ؛ على ما كان رزقها عندما كانت مئونتها على زكريا .
وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قوته .
وفيه دليل أن زكريا كان أفضل منها وأكبر منزلة عند الله حيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف كان من زكريا ولا مئونة ، فلما فارقت زكريا أمرها بالكسب .
وفيه دلالة : أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء ، حيث جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطبا ، وحيث جعل من تحتها سريّا ، أي : نهرا جاريا ، وحيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد ، فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقاربها .
وهذه المحن التي امتحن بها مريم في الظاهر عظيمة عند الناس ، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها : أنه أخبر أنه - تعالى - اصطفاها على نساء العالمين بقوله :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 42 ] ، وسماها : صدّيقة بقوله :
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
[ المائدة : 75 ] ، وذلك لا يسمّى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر له غاية ، والله أعلم .
وقال بعضهم « 1 » في قوله :
فَناداها مِنْ تَحْتِها
أي : من تحت النخلة .
وقوله - عزّ وجل - :
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً
.
أي : كلي الرطب الذي يتساقط عليك ، واشربي من السرى الذي جعل تحتك « 2 » .
و
وَقَرِّي عَيْناً
أي : وارضي مكان ما حزنت عليه وخفت على نفسك وعلى ولدك ، أو طيبي نفسا .
وقوله - عزّ وجل - :
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
أي : صمتا وسكونا ، وكذلك روى في بعض الحروف ، وهو في حرف أبي ، وقال : ثم قوله :
فَقُولِي
ليس على القول نفسه ، ولكنه إشارة ، أشارت إليهم :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
فإن كان على هذا ، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مفهمة المراد تعمل عمل القول نفسه والكلام ؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح ، وكل عقد من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة .
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 482 ) .
( 2 ) ينظر : اللباب ( 13 / 49 ) .