تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
الإضمار ، كأنه قال :
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
بالقول بأن أهب لك غلاما زكيّا ، أي : أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله :
لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
. وفي حرف ابن مسعود « 1 » :
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
. وقوله - عزّ وجل - :
زَكِيًّا
أي : صالحا ، طاهرا عن جميع الشرور . وقوله - عزّ وجل - :
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
، أي : قالت : لم يمسسني بشر ، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره ، لكن كأنها قالت : لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيّا ، فمن أين يكون لي ولد ؟ كأنها لم تعرف الولد إلا بسبب ؛ لذلك قالت :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
. وقوله - عزّ وجل - :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ
، أي : أخلق بسبب وبلا سبب . وقوله - عزّ وجل - :
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
أي : خلق الشيء بسبب وبغير سبب هيّن عليّ . وقال بعضهم : قوله :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ
للأنبياء الذين كانوا من قبل : إنه يخلق ولدا بلا أب ولا أمّ . وقوله - عزّ وجل - :
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
، أي : نجعل ولادته بلا أب على ما أخبر الأنبياء من قبل - آية للناس لرسالتهم ؛ لأنهم أخبروا أنه يولد ولد بلا أب ولا أم ، فكان ما أخبروا ، فدلّ ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله ؛ فيكون ذلك آية لصدقهم ، ويكون قوله :
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
أي : ذلك الخبر الذي أخبر الأنبياء من قبل ، والوعد الذي وعد لهم أمرا مقضيّا كائنا . وقال أهل التأويل في قوله :
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
، أي : نجعل عيسى آية للناس حيث ولد بلا أب ، وكلم الناس في المهد ، وغير ذلك من الآيات التي كانت فيه . وجائز أن يكون آية للناس للبعث ؛ لأنه أنشأه بلا أب ولا سبب ، وهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا الولد بغير أب أيضا ثم كان ، فعلى ذلك البعث ؛ إذ لا فرق بينهما ؛ لأن من قدر على إنشاء الولد بلا أب ولا أم قدر على الإحياء بعد الموت ، بل هو أولى . وقوله - عزّ وجل - :
وَرَحْمَةً مِنَّا
أي : رحمة منا للخلق ؛ لأن من اهتدى واتبعه كان له به نجاة ، وهو ما قال الله تعالى لرسوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] وعلى ذلك جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه كان ذلك رحمة منه إلى خلقه .
هامش
( 1 ) أخرجه عبد بن حميد ، كما في الدر المنثور ( 4 / 481 ) .