تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وقال بعضهم « 1 » :
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
: من غير كلامهم ولسانهم ؛ ولكن يفقهون بلسانهم وكلامهم ، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها ؛ ففقهوا هم [ منه ] وفقه هو منهم ؛ حيث قالوا
يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً
، أي : جعلا أجرا ،
عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
. وقال هو :
ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ
: فهم ذو القرنين منهم ، وفهموا منه أيضا ما ذكرنا ؛ فدل ذلك أنهم كانوا يفقهون بلسان غيرهم ، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئا قليلا من القول ، وإن كانوا لا يفقهون كثيرا ؛ لأنه يقول :
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ
؛ فهو يتكلم على العرف لا على النفي رأسا ، والله أعلم . وقوله :
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً
: جعلا وأجرا ؛
عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا . قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ
. على تأويل الحسن يكون قوله :
ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي
من النبوة
خَيْرٌ
؛ لأنه يقول : إنه كان نبيا ؛ حيث قال له :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
. وعلى قول غيره يكون
ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي
: من الملك والسبب الذي أعطاني ، وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها
خَيْرٌ
مما تذكرون . وقوله :
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ
، أي بما أتقوى به ،
أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
، أي : سدّا . وقوله - عزّ وجل - :
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ
، أي : قطع الحديد . وقال بعضهم : سألهم الحديد ؛ لأن المكان مكان الحديد . وقال بعضهم : إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللّبن أو القطر ، ولكن لا يعلم ذلك إلا بالسمع . وقوله - عزّ وجل - :
حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
. أي : بلغ ذلك السد رأس الصدفين ، وهما جبلان ، وسوى بهما ، والله أعلم . وقوله :
قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
. أي : أصب عليه قطرا ، قيل : نحاسا ، وقيل : رصاصا ، ذكر أنه كان يبسط الحديد صدرا ، ثم يبسط الحطب فوقه صدرا ، ثم حديدا فوق الحطب ، حتى بلغ رأس الجبلين ، وسوى بهما على هذا السبيل ، ثم أذيب القطر ، فصب فيه ، فجعل القطر يحرق الحطب ، ويذيب الحديد ؛ حتى دخل القطر مكان الحطب ، وصار مكانه ؛ فالتزق القطر بالحديد ، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السدّ . وقال الحسن : كأنه القطر له كالملاط لنا ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، كما في تفسير البغوي ( 3 / 180 ) .