قوله تعالى :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 99 إلى 106 ]
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ( 100 ) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ( 101 ) أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً ( 102 ) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً ( 103 )
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 ) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ( 105 ) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً ( 106 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
أي : يجول بعضهم في بعض .
ثم يحتمل قوله :
يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
، عند السدّ الذي بناه ذو القرنين ، يموجون عنده في فتح ذلك السدّ ، أو يذكر هذا لكثرتهم وازدحامهم ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً
ظاهره على الماضي ، والمراد منه :
المستقبل ، أي : ينفخ في الصور فيجمعهم جمعا ، ومثل هذا كثير في القرآن يذكر الماضي بحرف المستقبل ، والمستقبل بحرف الماضي .
وقوله - عزّ وجل - :
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً
.
يحتمل : أن يكون عرضها عليهم قبل أن يدخلوا فيها ، كقوله :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
[ الشعراء : 91 ] .
ويشبه أن يكون العرض كناية عن التعذيب بها بعد ما أدخلوا فيها كقوله :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
[ غافر : 46 ] ،
وقوله - عزّ وجل - :
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن ظلمة الكفر تستر وتحجب نور القلب ، ونور كل حاسّة من حواسّه من السمع والبصر والفؤاد وغيره ؛ إذ لكل حاسّة من هذه الحواس نور وضياء في سريتها ألا تبصر ولا تسمع الحق والحجة إلا بنورين جميعا : نور الظاهر ، ونور السرية والباطن .
فالكفر يستر ويغطي ذلك النور ، فجعل لا يبصر الحق ولا ينظر العبر ، ولا يتفكر ولا يتجلى له الحق بنور الظاهر .
وللإيمان نور وضياء ، يبصر به ، ويسمع ، ويرفع له غطاء كل شيء حتى يتجلى له الحق ، ويعرف به حسن [ كل حسن ] وقبح كل قبيح ، فهو كما يرى الإنسان الشيء بنور بصره وبنور الهدى ، فإذا ذهب أحدهما صار بحيث لا يبصر ولا يرى شيئا ؛ فعلى ذلك إنما يعرف الشيء ، ويظهر له حقيقته بنورين : بنور القلب وبنور الحواس ، فإذا غطى ظلمة الكفر نور القلب ، صار لا يبصر شيئا ، ولا يعتبر ، ولا يسمع ، ولا ينطق بالحق ، والإيمان