تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
عليهم من غير كد ولا جهد ولا مئونة ، وكذلك اللباس ؛ ثم لم يصبروا على ذلك حتى قالوا :
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
[ البقرة : 61 ] فسألوا ربهم - الفوم ، والبصل ، ونحوه ؟ ! على هذا طبع الإنسان ملولا عجولا ؛ ألا ترى أن الله مكن في باطنه ، وجعل في سعة رياضة نفسه ، وصرفها إلى أحد الوجهين اللذين يجهد عليه ولا يذم ، وهو أن يروضها ويعودها على الصبر والحكم والوقار ، ويصرف تلك العجلة إلى الخيرات والطاعات التي يحمد عليها المرء بالعجلة ، وإلا : ففي ظاهر الخلقة والطبع منشأ على العجلة وما ذكر ؛ ألا ترى أنه قال :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
[ المعارج : 19 - 21 ] إلا كذا ، وهو ما ذكرنا - والله أعلم - لكن بما امتحنه من الأمر والنهي والترغيب في الموعود والترهيب صيره بحيث يملك إخراجه عما طبع وأنشئ إلى حال أخرى بالرياضة التي ذكرنا ؛ ألا ترى أنه ذكر الهلع والجزع ، ثم استثنى إلا كذا ؟ ! وعلى ذلك خلق الله الخلق على همم مختلفة وأطوار متشتتة ، لم يخلقهم جميعا على همة واحدة ، بحيث يرغبون جميعا في معالي الأمور ومعاظم الحرف وأرفع الأسماء ؛ بل طبعهم على أطباع مختلفة : فمنهم من يرغب في معالي الأمور ومعاظم الأمور والحرف ، ومنهم من كانت همته الرغبة في الدون من الأمور والحرف في الحجامة والدباغة والحياكة ونحوها ، وكذلك في الأسماء ، [ ومنهم بخلاف ذلك ] « 1 » ، ولو كانت همتهم همة واحدة - لذهب المنافع والمعارف جميعا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
. اختلف فيه : قال بعضهم : المراد بالليل والنهار : الشمس والقمر ، أي : جعلنا في الشمس والقمر ؛ ألا ترى أنه أضاف الآية إلى الليل والنهار حيث قال :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
، وحيث قال - أيضا - : و
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ يونس : 5 ] ، وإنما يعلم ذلك بالقمر ؛ ألا ترى أنه قال - أيضا - :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً . . .
الآية [ يونس : 5 ] ، إنما أضاف معرفة عدد السنين والحساب إلى القمر ؛ دلّ أنه بالقمر يعلم ذلك ، وهو قول علي « 2 » وابن عبّاس « 3 » - رضي الله عنهم - وغيرهم من أهل التأويل ؛ ويكون تأويل المحو الذي ذكر في قوله :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
-
هامش
( 1 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : ومنهم من كانت همته معالي الأمور ومعاظم الأعمال . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 22118 ) و ( 22121 ) ، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف ، كما في الدر المنثور ( 4 / 302 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 22123 ) ، و ( 22124 ) ، وابن المنذر ، كما في الدر المنثور ( 4 / 302 ) .