تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
الآخرة والبعث « 1 » رأسا ليسلم لهم الدنيا فذلك الذي حملهم على إنكار الرسل وتكذيبهم إياهم ؛ ألا ترى أنه قال :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ
[ الانعام : 92 ] أي : بالقرآن أو بمحمّد ، إيمانهم بالبعث حملهم على الإيمان بالقرآن والرسول ، وتكذيبهم الآخرة حملهم على تكذيب الرسل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
. قال بعضهم « 2 » : إذا غضب الإنسان يدعو على نفسه وولده وأهله ، ويلعن ، كدعائه عليهم بالخير ؛ لذلك انتصب قوله :
دُعاءَهُ
. وقال الحسن « 3 » : إن الإنسان يتضايق صدره وقلبه بأدنى شيء يكره ؛ فيلعن على نفسه وأهله ؛ فلا يجيبه الله ، ثم يدعو بالخير ؛ فيعطيه ، أو نحوه من الكلام . وقوله :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
: هذا يحتمل وجهين : أحدهما : ويدعو الإنسان بالشرّ على العلم منه بذلك كدعائه بالخير على العلم منه بذلك . والثاني : يدعو الإنسان بالشر لو أجيب فيه على الجهل منه والغفلة ، كدعائه بالخير لو أجيب في ذلك . ثم إن كان ذلك الإنسان هو الكافر فهو يدعو على الاستهزاء ؛ كقوله :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
الآية [ الأنفال : 32 ] ، وكذلك قوله :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ
[ المعارج : 1 ] ، ونحوه . وإن كان مسلما فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند الغضب على علم منه به ، ويدعو أيضا بالشرّ على السهو والغفلة منه ، نحو ما يسأل الأموال والنكاح ، ولعل ذلك شرّ له . وقوله - عزّ وجلّ - :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
. قال بعضهم « 4 » : هذا لازم ؛ لأنه لما خلقه الله فنفخ الروح في بعض جسده - همّ أن يقوم ؛ فسمّاه عجولا ، لكن كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولا ؛ ألا ترى أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد ، وإن كان نعمة لم يصبر عليها ؛ ولكن يمل عنها ؟ ! وكذلك في أدنى شدّة وبلاء إذا بلي به لم يصبر عليه ، فأبدا يريد الانتقال من حال إلى حال ؛ ألا ترى أن قوم موسى قد أكرمهم الله بكرامات : من إنزال المنّ والسلوى
هامش
( 1 ) زاد في ب : جميعا . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 22112 ) ، وهو قول قتادة ومجاهد . ( 3 ) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وأبي أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 4 / 301 ) . ( 4 ) ينظر : اللباب ( 12 / 220 ) .