تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه : أحدها : ما قالوا : إنه لا يختار الله أحدا لرسالته ونبوته إلا من كان مستحقّا لها ومستوجبا لذلك ، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولا ، وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعد ما أوحى إليه وأرسله رسوله . والثاني : فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين ، حيث أوعد لهم برفع ما أوحى إليه [ وأرسله ] « 1 » وإذهابه إياه ، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد ؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة ، ثم لا شك أن إبقاء النبوة وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوّا عن ذلك ، دلّ أنه قد يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين . وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولا ولا أوحى إليه وحيا ؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول ، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم ، لكان خلقه إياهم عبثا ليتركهم سدى ؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى ؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله :
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
: وقوله :
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
. أي : إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك ، وفضله - أيضا - في إبقاء ذلك كبيرا . وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ ؛ حيث قال :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
، أخبر أنه لو شاء ، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه ؛ دلّ أن له قدرة في فعل العبد . وفي قوله :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
وجه آخر من الحكمة ؛ وهو أن يعلم المؤمنون : أن الفضل كله من الله ؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلا ومعنى ، وإليه يضيفون جميع ما يجرى على أيديهم من أفعال الخير والطاعة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
. يشبه أن يكون هذا صلة قوله :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
، ثم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه ، وقوله : بمثله ، أي : به ، كقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] أي : ليس كهو شيء ؛ إذ لا مثل له ؛ فدلّ أن قوله :
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
، أي : لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه ؛ فلئلا يقدروا على
هامش
( 1 ) سقط في ب .