تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
: قالوا ذلك لأنه قد كان طال عمره وهو بين أظهرهم ويدعوهم إلى الإيمان ، فأكثر حجاجه ومجادلته إياهم « 1 » . فقالوا :
فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
وكان يعدهم العذاب إن لم يجيبوه ؛ كقوله :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
[ هود : 26 ] ، وما كان وعد لهم في غير آية من القرآن إن لم يجيبوه فقالوا :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
من العذاب ، فقال :
إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ
أي : ليس لي إتيان ذلك إنما ذلك إلى الله ، إن شاء عجل وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت ؛ وهو كقول رسول الله لقومه :
لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 58 ] . وقوله - عزّ وجل - :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
أي : لا تعجزون الله عن تعذيبكم فتفوتون عنه ، وقيل : وما أنتم بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها ؛ وهو واحد ، والله أعلم . وقوله :
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
: تأويله - والله أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم إن كان الله يريد أن يغويكم [ ثم اختلف في وقت ذلك : قال بعضهم : لا ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم ؛ إن كان في حكم الله ألّا تكونوا من الغاوين في ذلك الوقت . وقال بعضهم : قوله :
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي
إن كان الله يريد أن يغويكم ] « 2 » أي : لا ينفعكم نصحى إن كان الله يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب ؛ كقوله :
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
[ مريم : 59 ] أي : عذاب جهنم ونحوه من الكلام . وأما عندنا فهو على ما أخبر : إن كان الله يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية أبدا ، وأصله أن الله أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية [ وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال ؛ لأن من في علمه أنه يختار الغواية ] « 3 » والضلال اختار عداوته ، ولا يجوز
هامش
( 1 ) دلت هذه الآية على أنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان قد أكثر في الجدال معهم ، وذلك الجدال كان في بيان التوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، وهذا يدل على أن المجادلة في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء ، وأن التقليد والجهل والإصرار حرفة الكفار ، ودلت على أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يعدهم به ، فقالوا :فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَثم إنه - عليه الصلاة والسلام - أجابهم بقوله :إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ[ هود : 33 ] أي : أن إنزال العذاب ليس إليّ ، وإنما هو خلق الله فيفعله إن شاء ، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحدا لا يعجزه ، أي : لا يمنعه . ينظر اللباب ( 10 / 476 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 126 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم