ثم لا يصح ذلك على قول المعتزلة ؛ لأن الدعاء بالمعونة على أداء ما كلف وقد أعطى ؛ إذ على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفا قد بقي شيء مما به أداء ما كلف عند الله ، وطلب ما أعطى كتمان للعطية ؛ وكتمان العطية كفران ، فيصير كأن الله أمر بكفران نعمه وكتمانها وبطلبها منه تعنتا ، وظن مثله بالله كفر ، ثم لا يخلو من أن يكون عند الله ما يطلب فلم يعط التمام إذا ، أوليس « 1 » عنده ، فيكون طلبه استهزاء به ؛ إذ من طلب إلى آخر ما يعلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف « 2 » مع ما كان الذي يطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف ، فيبطل قولهم لا يجوز أن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطي ، أوليس له ألا يعطي فكأنه قال : اللهم لا تجر ولا تظلم ومن هذا علمه بربه فالإسلام أولى به ، فهذا مع ما لا يدعو الله أحد بالمعونة ، وإلّا ويطمئن قلبه أنه لا يزلّ عند المعونة ، ولا يزيغ عند العصمة ، وليس مثله يملك الله عند المعتزلة ، ولا قوة إلا بالله .
قوله تعالى :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 130 إلى 133 ]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 ) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 )
قوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ
.
عن ابن مسعود « 3 » - رضي الله عنه - :
بِالسِّنِينَ
قال : بالجوع ، وقيل « 4 » : بالقحط .
ومجاهد :
بِالسِّنِينَ
قال : بالجوائح ونقص من الثمرات دون ذلك .
وقال القتبي : بالسنين : بالجدب « 5 » ؛ يقال : أصاب الناس سنة : أي جدب .
فإن قيل : ذكر أنه أخذ آل فرعون ، وكان فيهم بنو إسرائيل فما معنى التخصيص ؟
قيل : يحتمل أن يكون ذلك لهم خاصّة دون بني إسرائيل ، وإن كانوا فيهم ؛ على ما ذكر
هامش
( 1 ) في ب : وليس .
( 2 ) العرف لغة : كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه ، وهو ضد النكر ، والعرف والمعروف :
الجود .
وهو اصطلاحا : ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول ، وتلقته الطبائع بالقبول ينظر لسان العرب ( عرف ) ، والمصباح المنير ( عرف ) .
( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 29 ) ( 14985 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 202 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن مسعود .
( 4 ) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 369 ) وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 190 ) .
( 5 ) جدب المكان جدبا : يبس لاحتباس الماء عنه ، ينظر المعجم الوسيط ( جدب ) ( 1 / 109 ) .