تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ
. خرج هذا في الظاهر مخرج الاستفهام ، ولكن في الحقيقة على الإيجاب ؛ كقوله :
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ . . .
[ النور : 50 ] الآية ، هذا في الظاهر وإن خرج مخرج الشك والارتياب ، فهو في الحقيقة على الإيجاب ؛ كأنه قال : في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا أن يحيف الله عليهم ، فعلى ذلك قوله :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
[ أو أمن أهل القرى ] « 1 » على الإيجاب ، كأنه قال : قد أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ،
أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى
الآية . ثم اختلف في قوله :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
إلى آخر ما ذكر : قال الحسن : هذه الآيات في الأمم السالفة ، أخبر عن أمنهم بنزول بأس الله وعذابه بهم ، لكن ذكر في هذه الأمة ليكونوا على حذر عن مثل صنيعهم . وقال الآخرون : هذه الآيات في قرى « 2 » هذه الأمة لا في الأمم السالفة ، يقول : أمن هؤلاء بأسنا كما أمن أولئك منه فإنهم إذا صنعوا مثل صنيعهم ينزل بهم في الآخرة من العذاب مثل ما أنزل بأولئك في الدنيا من العذاب . وقوله :
بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ
و
ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
أخبر أن العذاب إنما نزل بهم في حال الأمن وهو وقت النوم واللعب ؛ لأنه هو وقت الغفلة والسهو ، وآمن ما يكون الإنسان إنما يكون في حال النوم ، وإنما نزل بهم في وقت الغفلة والسهو ، يذكر بهذا - والله أعلم - أهل مكة وغيرهم من الكفرة بتكذيبهم رسول الله ؛ لئلا يكونوا آمنين عن بأس أبدا في وقت من الأوقات ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. المكر في الشاهد : هو أن يراقب من عدوه حال غفلة لينتقم منه وينتصر ، فإذا كان ما ذكرنا فسمّى ما ينزل بهم من العذاب في حال الغفلة مكرا ، وعلى ذلك الامتحان فيما بين الخلق : هو استظهار ما خفي على بعضهم من بعض ، فيأمرون بذلك وينهون ، فسمى الله - تعالى - ذلك امتحانا لمعنى الأمر والنهي ، وإن كانت الخفيات عن الخلق ظاهرة له بادية عنده . وقوله - عزّ وجل - :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. فالآية على المعتزلة ؛ لأنهم يأمنون مكر الله في الصغائر [ حيث قالوا : الصغائر ] « 3 »
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : قوى . ( 3 ) سقط في أ .