تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
هامش
- الذي أسهرت ليلك ، وأظمأت نهارك . وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر : فيأتي المؤمن شاب حسن اللون ، طيب الريح ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح . وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق . فالأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية ، تبرز على هذا القول في النشأة الآخرة بصور جوهرية ، مناسبة لها في الحسن والقبح . فالذنوب والمعاصي تتجسم هناك ، وتتصور بصورة النار ، وعلى ذلك حمل قوله تعالى :وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ[ التوبة : 49 ] ، وقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً . . .الآية [ النساء : 10 ] ، وكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلم في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة : « إنما يجرجر في بطنه نار جهنم » . ولا بعد في ذلك ؛ ألا ترى أن العلم يظهر في عالم المثال في صورة اللّبن ؟ ! وقيل : صحائف الأعمال هي التي توزن ، ويؤيده حديث البطاقة ؛ فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه ، وابن ماجة والحاكم والبيهقي وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة . فينشر له تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مد البصر ، فيقول : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا ، يا رب ! فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل ، فيقول : لا . يا رب ، فيقول : بلى . إن لك عندنا حسنة ؛ فإنه لا ظلم عليك اليوم . فيخرج له بطاقة فيها « أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله » فيقول : يا رب ! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ ! فيقال : إنك لا تظلم . فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات ، وثقلت البطاقة » . وقيل : يوزن صاحب العمل ، كما في الحديث : « يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة » . ثم قرأ :فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً[ الكهف : 105 ] . وفي مناقب عبد الله بن مسعود ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أتعجبون من دقة ساقيه ؟ ! والذي نفسي بيده ، لهما في الميزان أثقل من أحد » . قال الحافظ ابن كثير : وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار ، بأن يكون ذلك كله صحيحا فتارة توزن الأعمال ، وتارة يوزن محلها ، وتارة يوزن فاعلها . والله أعلم . انتهى . قال أبو السعود : وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي ، والحكم العادل . وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ، واختاره كثير من المتأخرين ؛ بناء على أن استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية . قالوا : إن الميزان إنما يراد به التوصل إلى معرفة مقادير الشيء . ومقادير أعمال العباد لا يمكن إظهارها بذلك ؛ لأنها أعراض قد فنيت . وعلى تقدير بقائها ، لا تقبل الوزن . انتهى ، وأصله للرازي . قال في العناية : فمنهم من أول الوزن بأنه بمعنى القضاء ، والحكم العدل ، أو مقابلتها بجزائها ؛ من قولهم : وازنه ، إذا عادله . وهو إما كناية أو استعارة . بتشبيه ذلك بالوزن المتصف بالخفة والثقل ، بمعنى الكثرة والقلة . والمشهور من مذهب أهل السنة : أنه حقيقة بمعناه المعروف . انتهى . فإن جمهور الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل . قال في فتح البيان : وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فلم يأتوا في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه . بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية ، وليس في ذلك حجة لأحد . فهذا إذا لم تقبله عقولهم ، فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم : من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، حتى جاءت البدع كالليل المظلم ، وقال كل ما شاء ، وتركوا الشرع خلف ظهورهم . -