تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
موازينه
فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
. ولا يحتمل - أيضا - ما قال غيره من أهل التأويل : إنه أراد ب « الموازين » : الحسنات ، والسيئات ؛ لأن الآية في المؤمنين والكافرين ، فلا سيئة ترجح في المؤمن مع إيمانه ، ولا حسنة ترجح في الكافر مع شركه ، إلا أن يقال : إن توزن حسناته وتقابل بسيئاته دون إيمان ، وكذلك الكافر تقابل سيئاته بحسناته دون الشرك ؛ فذهبت حسناتهم التي كانت لهم في الدنيا بما أنعم الله عليهم في الدنيا ؛ فقد عجل لهم جزاء حسناتهم التي عملوا في الدنيا ؛ بما أنعم عليهم في الدنيا . وأما المؤمن فيتجاوز عن سيئاته ويتقبل عنه أحسن ما عمل ؛ كقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ
[ الأحقاف : 16 ] . أو أن يكون ما ذكر من الميزان هو الكتاب الذي ذكر في آية أخرى ؛ كقوله « 1 » :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
[ الانشقاق : 7 - 9 ] الآية ، [ و ] « 2 » كما قال :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ
[ الحاقة : 25 ] . وقال بعضهم : الوزن هو العدل ؛ كقوله :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ
[ الأنبياء : 47 ] لم يقل : نضع الموازين بالقسط ، ولكن قال :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ
، والقسط : هو العدل ، فهو إخبار عن العدل أنه يعدل بينهم يومئذ .
هامش
- وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها ، ويتحد قبولهم لها . بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه ، ويوافق ما يذهب إليه هو ومن تابعه ؛ فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم . يعرف هذا كل منصف . ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب ؛ فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه . وقد ورد ذكر الوزن والميزان في مواضع من القرآن كقوله :وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً[ الأنبياء : 47 ] ، . وقوله :فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ[ المؤمنون : 102 - 103 ] ، وقوله :إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ[ النساء : 40 ] ، وقوله :وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ[ القارعة : 8 ، 9 ] ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّا مذكورة في كتب السنة المطهرة ، وما في الكتاب والسنة يغني عن غيرهما ؛ فلا يلتفت إلى تأويل أحد أو تحريفه ، مع قوله تعالى وقول رسوله الصادق المصدوق ، والصباح يغني عن المصباح . انتهى . وخلاصته ؛ أن الأصل في الإطلاق : الحقيقة ، ولا يعدل عنها إلى المجاز إلا إذا تعذرت ، ولا تعذر هاهنا . ينظر : تفسير القاسمي ( 7 / 9 - 14 ) . ( 1 ) في ب : بقوله . ( 2 ) سقط في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 363 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم