تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وذلك أبلغ في البرهان ، فأنبأ فيه علم الغيوب ، وفرض الفرائض ، وحكم فيه الأحكام ، وأنزل فيه الحجج بتأليف يعجز عنه من دون الله ؛ ليبين لهم أنه من عند الله ، فأنف « 1 » قومه ، وأبوا أن يستمعوه واستكبروا عليه ، وقالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وقالوا :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
[ فصلت : 26 ] ؛ فأتاهم العليم الخبير من قبل أنفسهم وكبرهم ؛ فأنزل في الكتاب كلاما افتتح به السورة لم يكن من كلام قومه ؛ فلما سمعوه ظنوا أنه بديع ابتدعه محمد صلّى اللّه عليه وسلم كإبداعهم « 2 » البلاغات والأوابد ، وأنفوا أن يكون محمد يقدر من ذلك على ما لا يقدرون ، فتدبروا الكتاب ليعلموا صدوره بما بعده من الكلام ، فسمعوا كلاما مجيدا [ حكيما ] « 3 » ، ونبأ عظيما ، وحججا نيرة ، ومواعظ « 4 » شافية ؛ فدخل أكثرهم في الإسلام ، وقعد عنه رجلان : معاند متعمد ، وجاهل مقلد « 5 » لا ينظر ، وفيما
هامش
علم الأنساب : هو علم يتعرف منه أنساب الناس . وقواعده الكلية والجزئية والغرض منه : الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص ، وهو علم عظيم النفع جليل القدر أشار الكتاب العظيم فيوَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا[ الحجرات : 13 ] إلى تفهّمه . وحث الرسول الكريم في « تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم » على تعلمه ، والعرب قد اعتنت بضبط أنسابها إلى أن كثر أهل الإسلام واختلطت أنسابهم بالأعاجم ؛ فتعذر ضبطه بالآباء ؛ فانتسب كل مجهول النسب إلى بلده أو حرفته أو نحو ذلك ، حتى غلب هذا النوع . ينظر أبجد العلوم ( 2 / 114 ) . ( 1 ) أنف أنفا وأنفة : استنكف واستكبر . ينظر المعجم الوسيط ( 1 / 30 ) ( أنف ) . ( 2 ) في ب : كابتداعهم . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : ومواعظا . وهو خطأ من الناسخ ؛ لأن هذا الجمع في اللغة بصيغة منتهى الجموع فلا يلحقه التنوين ؛ إذ هو ممنوع من الصرف ينظر : لسان العرب ( 6 / 4873 ) [ وعظ ] . ( 5 ) التقليد لغة : مصدر قلد ، أي جعل الشيء في عنق غيره مع الإحاطة به . وتقول : قلدت الجارية : إذا جعلت في عنقها القلادة ، فتقلدتها هي ، وقلدت الرجل السيف فتقلده : إذا جعل حمائله في عنقه . وأصل القلد - كما في لسان العرب - ليّ الشيء على الشيء ، نحو : ليّ الحديدة الدقيقة على مثلها ، ومنه : سوار مقلود . وفي التهذيب : تقليد البدنة : أن يجعل في عنقها عروة مزادة ، أو حلق نعل ، فيعلم أنها هدي . وقلد فلانا الأمر : ولاه إياه . ومنه تقليد الولاة الأعمال . ويستعمل التقليد في العصور المتأخرة بمعنى المحاكاة في الفعل ، وبمعنى التزييف ، أي : صناعة شيء طبقا للأصل المقلد . وكلا المعنيين مأخوذ من التقليد للمجتهدين ؛ لأن المقلد يفعل مثل فعل المقلّد دون أن يدري وجهه . والأمر التقليدي : ما يفعل اتباعا لما كان قبل ، لا بناء على فكر الفاعل نفسه ، وخلافه : الأمر المبتدع . ويرد التقليد في الاصطلاح الشرعي بأربعة معان : أولها : تقليد الوالي أو القاضي ونحوهما ، أي توليتهما العمل . -