تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وقوله - عزّ وجل - :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
. استدل بعض الناس « 1 » بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات « 2 » وعقاب بالمعاصي ؛ لأنه أخبر أن لكل [ منهم ] « 3 » درجات مما عملوا ، وإنما تقدم ذكر الفريقين جميعا بقوله :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
، وقوله - عزّ وجل - :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
[ وقوله ] « 4 »
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
: ذكر ما كان من الفريقين جميعا من المعاصي والجرم ؛ فعلى ذلك قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ
: راجع إلى الفريقين جميعا ، لكل درجات منهم : إن عملوا خيرا فخير ، وإن [ عملوا ] « 5 » شرا فشر [ وبه ] « 6 » قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - واحتجوا لأبي حنيفة - رحمه الله - أن قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ
إنما ذكر على أثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين ؛ فعلى قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
يكون لهم هذا الوعيد خاصة ، ويكون قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ
، أي : دركات ومراتب « 7 » من العذاب والعقاب ؛ مما عملوا من المعاصي والتكذيب للرسل ، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنّة ، والعذاب توجبه الحكمة ؛ لأن في الحكمة أن يعاقب من عصاه وخالف أمره وأمّا الثواب فوجوبه الفضل ؛ لأنه كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان [ ما لو حمدوا كل حمدهم ] « 8 » ما قدروا على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك ، فتكون طاعتهم شكرا لما أنعم عليهم ، فإذا كان كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله ، كما لا يقال للملائكة : إن لهم ثوابا . وقوله - عزّ وجل - :
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
، يحتمل « 9 » وجهين : وما ربك بغافل عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله - تعالى - ولكن يؤخر تعذيبهم ؛ رحمة منه ، وهو كقوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ . . .
الآية [ إبراهيم : 42 ] . والثاني : عن علم بأعمالهم ، وصنيعهم خلقهم ، لا عن جهل ، لكن خلقهم على علم
هامش
( 1 ) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 227 ) ( 2 ) في أ : الطاعات . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) في ب : فضائل . ( 8 ) في أ : ما لو جهدوا كل جهدهم . ( 9 ) في أ : ويحتمل .