تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 13 إلى 14 ]

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ( 14 ) وقوله - عزّ وجل - :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
قيل : فرائض اللّه التي أمركم بها من قسمة الميراث « 1 » . ويحتمل
حُدُودُ اللَّهِ
: ما حدّ لنا حتى لا يجوز مجاوزتها ، وقد تقدم ذكرها في سورة البقرة . وذكر حدود اللّه ، وقد يجوز أن يكون للخلق حدود ، يقال : حدّ فلان ؛ فإذا لم يفهم من حدود اللّه ما فهم من حدّ الخلق كيف فهم من قوله :
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : 54 ] ، و
اسْتَوى إِلَى السَّماءِ *
ما فهم من استواء الخلق ؟ ! فإذا لم يفهم من حدود اللّه ما فهم من حد الخلق - لم يجز أن يفهم من استواء اللّه ما يفهم من استواء الخلق ، وكذلك لا يفهم من رؤية الرب ما يفهم من رؤية المخلوق ، ولا يفهم من مجيئه مجىء الخلق ، ولا من نزوله نزول الخلق ، على ما لم يفهم من قوله - تعالى -
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
حدود الخلق ؛ إذ لا فرق بين هذا وبين الأول . وقوله - عزّ وجل - :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
يحتمل وجهين : أحدهما : أوامره ونواهيه ، وما حرّم وأحل . ويحتمل : حدود شيء من ذلك ؛ فيرجع تأويل الأول إلى أنفس العبادات ، والثاني : إلى نهايات العبادات . والمعروف من الحدود التي تنسب إلى الخلق وجهان : أحدهما : نهاية المنسوب إليه ، وذلك حق حد الأعيان . والثاني : الأثر الذي يضاف إليه ، وذلك حد الصفات أن يقال : حد الفعل فعل كذا ، وحد البصر والسمع ، يراد به الأثر الذي به يعرف ، أو هنالك ما ذكر ، ثم لم تكن الحدود التي أضيفت إلى اللّه - سبحانه وتعالى - على واحد من الوجهين اللذين يضافا إلى الخلق ؛ إذ قد ثبت بضرورة العقل وحجج السمع تعاليه عن المعاني التي هي معاني خلقه ؛ فعلى ذلك ما أضيف إليه من طريق العقل من الاستواء ، والمجىء ، والرؤية - لم يجز في ذلك تصوير المعنى الذي في إضافة ذلك إلى الخلق يكون بما في ضرورة العقل والسمع جلاله وكبرياؤه عن ذلك المعنى ، وباللّه العصمة .
هامش
( 1 ) أخرجه بمعناه ابن جرير في تفسيره ( 8 / 69 ) ( 8791 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 2 / 227 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس وسعيد بن جبير .