تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي
. قوله :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ
: أي : تصور وتقدر
مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
كان من عيسى التصوير والتقدير ، وإلا كان التخليق من اللّه في الحقيقة ؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق ، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى ؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته ، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل ، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة ، بل كان اللّه هو الآتي بها ، والمنشئ تلك الآيات حقيقة ، لكنه يجريها على أيدي الرسل ؛ لتكون آيات صدقهم ، ودلالات رسالتهم ، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا . وقوله - عزّ وجل - :
تَخْلُقُ
ذكر التخليق ؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره : تخليقا ؛ فعلى ذلك خرج الخطاب ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم « 1 » . وقوله - عزّ وجل - :
وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
قيل : الأكمه : الذي يولد أعمى « 2 » ، وأما الأعمى فهو « 3 » الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيرا . وقيل الأكمه : هو الذي لا حدقة له ، وهو ما ذكرنا ، واللّه أعلم . قوله تعالى :
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ
. وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
والحواريون : قيل : هم خواصه « 4 » ، وكذلك أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هم حواريوه ، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران [ و ] « 5 » الاختلاف فيه . ثم قوله :
أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
يحتمل الوحي إليهم وجهين : أحدهما : أنه أوحى إلى رسوله عيسى - عليه السلام - فنسب ذلك إليهم وأضيف ؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم ؛ كقوله - تعالى - :
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
[ العنكبوت : 46 ] وما أنزل علينا ، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول اللّه كالمنزل إلينا ؛ فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم . والثاني : أوحى إليهم وحي إلهام ؛ كقوله
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ النحل : 68 ] الآية ،
هامش
( 1 ) قد بينا أنه قد اشترك مع عيسى - عليه السلام - كثير من الأنبياء في نفس المعجزات التي أتى بها . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 5 / 110 ) . ( 3 ) في ب : هو . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 3 / 285 ) . ( 5 ) سقط من ب .