تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
عنه ؛ فلذلك « 1 » جعلت الأيمان لدفع التهم وتحقيق الأمر للخلق عن الحالفين ، وأيد ذلك أوجه : أحدها : ما روي عن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا حلفتم فاحلفوا باللّه » « 2 » ، وقال : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطّواغيت » « 3 » فحذر الحلف بغيره بما فيه تعظيم ذلك ورفعه عن قدره ، وألزم ألا يجعلوا لأحد ذلك القدر إلا للّه تعالى . والثاني : قوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
[ النحل : 91 ] ، ولا يجوز أن ينهى عن الرجوع عن المعصية ويأمر بالوفاء بها . والثالث : الأمر الظاهر عن نبي الرحمة لحلفه وقسمه في غير موضع « 4 » ، وما ذكر في قصة يعقوب وأولاده ، وأمر إبراهيم - عليه السلام - في شأن الأصنام ، وأمر أيوب - عليه السلام - لم يجز أن يكونوا عصاة بفعلهم ، وذلك ينبئ عن جرأة من زعم أن الحالف عاص بما ترك الثنيا ، ومن ذكرنا من الأنبياء - عليهم السلام - قد تركوا الثنيا ، وليس ذلك كالوعد ؛ لأنه إلى نفسه يضيف الفعل وهو يفعله ، تحت مشيئة اللّه - تعالى - وفي اليمين باللّه يستغيث وإليه يرجع ، فلذلك اختلف الأمران ، واللّه أعلم . والدليل على أنها لم تجب باليمين قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليأت بالّذي هو خير ، وليكفّر يمينه » ، أو قال : « فليكفّر يمينه ، وليأت الّذي هو خير » « 5 » ولو كانت الكفارة واجبة باليمين ، لكان لا وجه للأمر بالذي يأتي وهي
هامش
( 1 ) في ب : ولذلك . ( 2 ) تقدم قريبا من حديث عبد اللّه بن عمر . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 62 ) ، ومسلم ( 3 / 1268 ) : كتاب الإيمان : باب من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا اللّه ، ( 6 - 1648 ) ، والنسائي ( 7 / 7 ) كتاب الأيمان : باب الحلف : بالطواغيت ، وابن ماجة ( 3 / 480 ) كتاب الكفارات : باب النهي أن يحلف بغير اللّه ، ( 2095 ) والبيهقي ( 10 / 29 ) من طريق هشام بن حسان عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعا : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت » . ووقع عند مسلم وابن ماجة « بالطواغي » وهو جمع طاغية ، والمراد : الصنم ، ومنه الحديث الآخر : « طاغية دوس » أي صنمهم ، سمى باسم المصدر ؛ لطغيان الكفار بعبادته ؛ لكونه السبب في طغيانهم ، وكل من جاوز الحدّ في تعظيم أو غيره ، فقط طغى ، ومنه قوله - تعالى - :إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ[ الحاقة : 11 ] ، وأما الطواغيت فهو جمع طاغوت ، ويجوز أن يكون الطواغي مرخما بدون حرف النداء على أحد الآراء ، ويدل عليه مجىء أحد اللفظين موضع الآخر في حديث واحد . قاله الحافظ في فتح الباري ( 13 / 385 ) . ( 4 ) عقد البخاري في صحيحه كتاب الأيمان والنذور ( 13 / 369 ) بابا أسماه : باب كيف كانت يمين النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ فيه الأحاديث ( 6628 - 6645 ) . ( 5 ) تقدم تخريجه .