تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
والثاني : أنهم لم يروا غير اللّه خلق السماوات والأرض ، ولا رأوا أحدا خلقهم سوى اللّه ، كيف سموا دونه إلها ولم يخلق ما ذكرنا ؟ ! إنما خلق ذلك اللّه الذي لا إله غيره ، وذلك قوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
أي : يعلمون أنه لا إله إلا [ اللّه ] « 1 » إله واحد ، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
: عما تقدم ذكره
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
. وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ
: عن مقالتهم الشرك ، فإن فعلوا فإن اللّه غفور رحيم ؛ كقوله - تعالى - :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] ، وباللّه العصمة . وقوله - عزّ وجل - :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ
في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين ؛ كأنهم كانوا فريقين : أحد الفريقين كانوا ينكرون « 2 » أنه رسول ، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية ، فقال : إنه ابن مريم ،
هامش
- كسائر البشر ، وأنه كان لي بداية ، وسيكون لي نهاية ، وإني لا أقتدر أن أبتدع خلق ذبابة » ؛ فدين المسيح مبني على التوحيد الخالص ، وهو دين اللّه الذي أرسل به جميع رسله ، فها هي النصوص تدحض حجتهم ، وتلك هي البراهين تسفه آراءهم وتلزمهم - إذا أرادوا الحق - بالرجوع إلى ما قضت به الأدلة العقلية المتقدمة من استحالة الاتحاد والحلول والبنوة . شبهة اليهود : أما اليهود الذين قالوا : إن عزيرا ابن اللّه : فقد أشار اللّه - تعالى - إليه بقوله :وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ[ التوبة : 30 ] ، وإنما نسب ذلك القول إلى اليهود ، مع أن القائل طائفة مخصوصة ؛ جريا على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد ؛ يقال : فلان يركب الخيول ، ولعله لم يركب إلا واحدا منها . وفلان يجالس السلاطين ، ولعله لا يجالس إلا واحدا منهم . ولعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع ؛ فحكى اللّه ذلك عنهم ، ولا عبرة بإنكار اليهود ؛ فإن حكاية اللّه عنهم أصدق . السبب الذي دعاهم إلى هذا القول : أن اليهود أضاعوا التوراة ، وعملوا بغير الحق ؛ فأنساهم اللّه - تعالى - إياها ونسخها من صدورهم ؛ فتضرع عزير إلى اللّه ، وابتهل إليه ؛ فعاد حفظ التوراة إلى قلبه ، وأنذر قومه بها ، فلما جربوه ووجدوه صادقا في دعواه ، قالوا : ما هذا العزير إلا ابن اللّه . وهذه شبهة واهية ، لا يصح الاستناد إليها ؛ لأن إجابة المطلب مرتبطة بالقبول والقرب من اللّه - تعالى - والخضوع لأوامره واجتناب نواهيه ، لا بالبنوة كما يزعمون ، فهذا جملة المحكي عنهم والرد عليه ، أسأل اللّه أن يوفقنا إلى اتباع خير العقائد ، وأن يهدينا سواء السبيل وحسن الخاتمة ؛ إنه ولى التوفيق والهادي إلى الصراط المستقيم . ينظر : صفة الوحدانية لعبد الحميد فتح اللّه ( ص / 94 - 102 ) . ( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) في أ : يكفرون .