تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
هامش
- اللّه : من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، ولجواز أن يكون المراد من الأب : المبدئ ؛ فإن القدماء كانوا يطلقون الأب على المبدئ ؛ إذن فمعنى أبي : مبدئي وموجدي ، وسمى عيسى ابنا ؛ تشريفا ؛ كما سمى إبراهيم خليلا . وأيضا : فمن كان متوجها بشيء ومقيما عليه يقال له : ابنه ؛ كما يقال : أبناء الدنيا ، وأبناء السبيل ؛ فجاز أن يكون تسمية عيسى بالابن ؛ لتوجهه في أكثر أحواله إلى الحق ، واستغراقه في أغلب الأوقات في جانب القدس ومما يؤكد ذلك : أنه جاء في الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا المذكور ؛ حيث دعا عيسى للحواريين ما لفظه : « وكما أنت يا أبي بي وأنا بك ، فليكونوا هم نفسا واحدة ؛ ليؤمن أهل العلم بأنك أنت أرسلتني ، وأنا قد استودعتهم المجد الذي مجدتنى به ورفعته إليهم ؛ ليكونوا على الإيمان واحدا ، كما أنا وأنت أيضا واحد ، وكما أنت حال في كذلك أنا فيهم ؛ ليكون كمالهم واحدا » . وهذا لفظ الإنجيل ، وقد تبين فيه معنى الاتحاد والحلول على وجه مغير لما فهموه . وجاء في الإصحاح التاسع عشر ما نصه : « إني صاعد إلى أبيكم وإلهي وإلهكم » . وهذا يدل بواسطة العطف على أن المراد من الأب : الإله ، وعلى أن عيسى مساو لهم في معنى البنوة والعبودية ، وإنه لمما يؤسف له : قلب هؤلاء القوم للحقائق ، ولبسهم الحق بالباطل ؛ فهذه ديانتهم بنيت على أساس التوحيد الخالص المعقول - جعلوها ديانة وثنية ؛ بتثليث غير معقول أخذوه من تثليث اليونان والرومان ، ديانة وشريعة سماوية نسخوا شريعتها برمتها وأبطلوها ، واستبدلوا بها بدعا وتقاليد غريبة عنها ، ديانة زهد وتواضع وتقشف وإيثار وعبودية - جعلوها ديانة طمع وجشع ، وكبرياء وترف ، واستعباد للبشر . وبالجملة فإنهم غيروا وبدلوا ؛ حتى صارت الديانة التي هم عليها مقتبسة من الوثنية الأولى ، ولم يرد كلمة تدل على عقيدتها عن أنباء بني إسرائيل ، ونسبوها إلى المسيح - عليه السلام - وليس عندهم نص من كلامه في أصول عقيدتها - التي هي التثليث - وإنما بقي عندهم نصوص قاطعة من كلامه في حقيقة التوحيد والتنزيه وإبطال التثليث ، وعدم المساواة بين الأب والابن الذي أطلق لفظه مجازا عليه وعلى غيره من الأبرار ، على أنه كان يعبر عن نفسه في الأكثر بابن الإنسان ، ولو لم يكن عندهم من النصوص إلا ما رواه يوحنا في الفصل السابع عشر من إنجيله - لكفي ؛ وهو قوله - عليه السلام - : « وهذه هي الحياة الأبدية ، إن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته » : فبين أن اللّه - تعالى - هو الإله وحده ، وأنه هو رسوله ، وهذا هو الذي دعا إليه القرآن ، وكان يجب أن يكون ذلك أساس عقيدتهم ، يرد إليه كل ما يوهم خلافه - ولو بالتأويل - لأجل التطابق بين المعقول والمنقول . ونقل مرقس في الفصل الثاني عشر من إنجيله : أن أحد الكتبة سأله عن أول الوصايا ؟ فأجاب يسوع : « أول الوصايا : اسمع يا إسرائيل ؛ الرب إلهنا رب واحد » ، فقال له الكاتب : جيدا يا معلم بالحق ؟ فقال : « لأنه واحد وليس آخر سواه » ، فلما رأى يسوع أنه أجاب تفضل فقال له : « لست بعيدا عن ملكوت السماوات فعلم من هذا أن التوحيد الخالص هو العقيدة المعقولة التي تؤخذ على ظاهرها بلا تأويل ، فإن فرضنا أنه ورد ما ينافيها وجب رده إليها . ولو كان هؤلاء النصارى يقبلون نصوص إنجيل برنابا - لأتيناهم بشواهد منه على التوحيد مؤيدة بالبراهين العقلية والنقلية على أن المسيح بشر رسول قد خلت من قبله الرسل ، وليس بدعا فيهم ، ويكفي ردّا عليهم ما في الفصل الخامس والتسعين من إنجيل برنابا - الذي يحتج فيه بأقوال الأنبياء في التوحيد ، وأنه - تعالى - خلق كل شيء بكلمته وأنه يرى ولا يرى ، وأنه غير متجسد ولا مركب ، وغير متغير ، وأنه لا يأكل ولا يشرب ، ثم قال : « فإني بشر منظور ، وكتلة من طين أمشي على الأرض