تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
ومنها : ما يضاف للأحوال . ومنها : ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل ، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن ؛ لما كان فيهم من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم ؛ وهو كقوله - تعالى - :
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
[ إبراهيم : 36 ] : إنهن لا يضللن أحدا في الحقيقة ؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن ، وكقوله - عزّ وجل - :
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
[ الأنعام : 70 ] والحياة الدنيا لا تغر أحدا ؛ ولكن لما [ لو ] « 1 » كانت لها حواس لكان ما أبدت « 2 » من الزينة لغرت . وقوله :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
اختلف فيه : قال بعضهم :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ
: بين اليهود والنصارى ، أي : لا يحب اليهودي نصرانيّا ، ولا النصراني يهوديّا . وقال آخرون :
بَيْنَهُمُ
، أي : بين اليهود ؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة : منهم من يقول : عزير ابن اللّه ، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه . هم على أهواء مختلفة ؛ فبينهم عداوة وبغضاء ، على ما ذكرنا « 3 » الاختلاف الواقع بينهم . ثم معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو : إما أن يكون له في نفس العداوة فعل ، أو أن يكون في سبب العداوة ، ولا يجوز أن يكون له في فعل العداوة صنع ؛ لأنه فعلهم ، ولا في سبب العداوة - أيضا - لأن سببه الاختلاف ، والاختلاف فعلهم - أيضا - فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين صنع ؛ دل أن له ذلك من الوجه الآخر ، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة منهم ، وباللّه التوفيق والعصمة . فإن قيل : ذكر هاهنا أنه تعالى ألقى بينهم العداوة والبغضاء ، وذكر في آية أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله - تعالى - :
لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
[ المائدة : 51 ] كيف يجمع بينهما ؟ ! : قيل :
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
في أصل الدين وهو الكفر ، وبينهم عداوة ؛ لاختلاف الأهواء والمذاهب ، واللّه أعلم . وفي الآية دلالة الامتنان على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء ،
هامش
( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) في أ : بدت . ( 3 ) في ب : ذكر .