ثمة أمر ونهي ، فأما إذا لم يكن ثمة لا أمر ولا نهي فلا معنى للعصمة والتوفيق .
وقوله - عزّ وجل - :
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
وقوله - تعالى - :
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
، ليس هو قول الناس : نستغفر اللّه ، ولكن كأنه قال : كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب ؛ ألا ترى إلى قول هود لقومه :
وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ . . .
الآية [ هود : 52 ] . وقال نوح - عليه السلام - لقومه :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً . . .
الآية [ نوح : 10 ] ، لم يريدوا أن يقولوا :
نستغفر اللّه قولا حسب ؛ ولكن أرادوا أن يكونوا على الحال التي تكون أعمالهم مكفرة لذنوبهم ؛ لأنهم لو قالوا بلسانهم ألف مرة : نستغفر اللّه ، لكان لا ينفعهم ذلك ؛ فعلى ذلك قوله :
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
وحقيقة الاستغفار وجهان :
أحدهما : الانتهاء عما أوجب العقوبة ؛ لقوله :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] ، وعلى ذلك معنى قول من ذكر .
والثاني : طلب الستر بالعفو والتجاوز .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ . . .
الآية [ النساء : 107 ] ، هو ما ذكرنا أن العصمة لا تنفع ؛ إذا لم يكن أمر ونهي .
وقوله - عزّ وجل - :
يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
: لا أحد يقصد قصد خيانة نفسه ، ولكن لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم ، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله :
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
[ البقرة : 9 ] لا أحد يقصد قصد خداع نفسه ؛ لكن لما رجع في العاقبة حاصل الخداع إليهم - صاروا كأنهم خدعوا أنفسهم ؛ فعلى ذلك الأول ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 108 إلى 109 ]
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 )
وقوله - عزّ وجل - :
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
يحتمل وجهين :
يحتمل :
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
، أي : يحتشمون من الناس أن يعلموا بصنيعهم ، ولا يحتشمون من اللّه ، على علم منهم أنه لا يخفي عليه شيء .
ويحتمل :
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
، أي : يسترون سرّهم من الناس .