وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ
.
في الآية دلالة فريضة الجهاد ؛ لأنه - عزّ وجل - أخبر أنهم يألمون ويتوجعون بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم وتتوجعون بها ؛ فلو كان نفلا لكان يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع ؛ على ما يرفع سائر النوافل عند الألم والتوجع ؛ فدل أنه فرض ، لكنه فرض كفاية ، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين . وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه فيه .
وقوله - تعالى - :
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ
، فمعناه - واللّه أعلم - أي : لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم ؛
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ
ولا [ يضعفون في ذلك ] « 1 » ، و
وَتَرْجُونَ
أنتم « 2 » العاقبة من الثواب الجزيل
ما لا يَرْجُونَ
، ثم هم لا يضعفون ؛ فكيف تضعفون أنتم في ذلك ؟ ! وكل أمر لا عاقبة له فهو عبث ، وليس لأمرهم عاقبة ؛ فهو عبث ، ولأمركم عاقبة محمودة ؛ فأنتم أولى في ذلك .
ودل قوله :
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ
- على تأكد فريضة الجهاد ؛ إذ لم يأذن لهم في التخلف عن ذلك ، على ما فيه من التألم ، وخوف هلاك النفس في ذلك ، ثم بين ما يخفف لمثله بحمل المكروه على الطبع له ، وقد يختار له مباشرة الأتعاب في النفس من عواقب تنقطع وتزول ؛ فكيف فيما [ لا انقطاع ] « 3 » له من رجاء الثواب بذلك التألم ؟ ! واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
.
بتألمكم ، أي : عن علم بالتألم أمركم بذلك ، لا عن جهل . وقد ذكرنا ذلك في غير موضع .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
قوله :
بِالْحَقِّ
يتوجه وجوها :
بحق اللّه عليكم ، أنزل إليك الكتاب .
ويحتمل : بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب ؛ لتحكم بين الناس .
هامش
( 1 ) في ب : تضعفون أنتم .
( 2 ) في ب : في ذلك .
( 3 ) في ب : لانقطاع .