تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
ثم لا يحتمل أن يكون الصحابة - رضوان اللّه عليهم أجمعين - قالوا ذلك رأيا من أنفسهم ؛ لأن هذا باب ما لا يوقف إلا بالسمع والخبر من اللّه - تعالى - فيجعل كأنهم جميعا سمعوا ذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في وقت واحد ؛ فدل أنه في وقتين مختلفين ، فهو على التناسخ ، فلم يظهر الأول منهما من الآخر ؛ فأوجب الأخف باليقين ، ولم يوجب الأغلظ بالشك ، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه اللّه - حيث قال في شبه العمد بالأرباع ، وأما محمد - رحمه اللّه - فإنه ذهب إلى ظاهر الخبر المرفوع بالأثلاث . ثم اختلف أصحابنا - رحمهم اللّه - فيمن رمى آخر في بحر فغرق فمات : قال أبو حنيفة « 1 » - رحمه اللّه - : لا يقتل به . وقال فيمن أحرق آخر بالنار : قتل به ، وكان يفرق بينهما بوجهين « 2 » :
هامش
( 1 ) ذهب الحنفية إلى أن القتل لا يعتبر عمدا إلا إذا ارتكب بآلة قاتلة ، ويشترط الإمام أبو حنيفة أن تكون الآلة محددة ؛ فإن لم يكن القتل بذلك - لا يعتبر عمدا عنده ، ولم يستثن من غير المحدد إلا النار ؛ فاعتبر القتل بها عمدا ؛ لأنها تعمل عمل السلاح ، وفي رواية الأصل عنه : أن العبرة للحديد وإن لم يكن محددا . كما أن الحنفية لم يعتبروا القتل بالتسبب - من العمد . والظاهرية يعتبرون القتل عمدا ؛ متى كان نتيجة اعتداء بما يحتمل الموت منه ، أما الاعتداء بما لا يموت من مثله أحد عادة - فليس عندهم من العمد ولا من الخطأ ؛ وإنما هو هدر ولا شيء فيه إلا الأدب . وقد وافقهم الشافعية في اعتبار الموت بما لا يموت من مثله أحد هدرا ؛ لأنه لا يمكن إحالة الهلاك عليه عادة . وقد ذهب المالكية في الرواية المشهورة عندهم إلى أن القتل يعتبر عمدا ؛ متى كان الفعل قاتلا ، سواء كان الاعتداء على سبيل العداوة أو اللعب ، أما إذا كان الفعل لا يقتل غالبا - فيعتبر القتل خطأ : إن كان الاعتداء على سبيل اللعب أو التأديب ، ويعتبر عمدا : إن كان على سبيل العداوة أو الغضب . وأما الرواية التي تثبت شبه العمد فيكون الاعتداء بما لا يقتل غالبا - شبه عمد ؛ كما ذهب إلى ذلك جمهور . وقد ثبت شبه العمد بالسنة وبالمعقول ، وهو أن الاعتداء على الإنسان بما لا يقتل غالبا - دليل على عدم قصد القتل . وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أي وسيلة تقتل غالبا تجعل القتل عمدا ، ولا فرق عندهم بين الجارح والمثقل ، ولا بين التسبب والمباشرة . وهم يكتفون في كون القتل عمدا بأن يفعل المعتدى بالمقتول فعلا الغالب من التلف . والذي يؤيده الدليل هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والمالكية في إحدى الروايتين عندهم من أنه لا فرق فيما يزهق الروح بين المثقل والمحدد ، ولا بين أن يكون الفعل القاتل تسببا أو مباشرة ؛ ما دام يغلب على الظن حصول الموت به ؛ فالذي يضرب الشخص بمحدد أو بمثقل أو يدفعه لأسد ، أو يقذفه من شاهق ، أو يقدم إليه سما ، فيأكله غير عالم به ؛ فيموت من ذلك - يعتبر قاتلا عمدا ؛ ويجب القصاص منه حتى يرتدع الناس عن القتل بهذه الوسائل التي تدل دلالة واضحة عند استخدامها في الاعتداء على توفر نية القتل ؛ فمتى كان الفعل الذي حصل به القتل مما يغلب على الظن حصول الموت به - يعتبر القتل عمدا ؛ إذ لا شبهة عند ذلك في قصد القتل به . ينظر : نهاية المحتاج ( 7 / 238 ) . ( 2 ) في ب : في وجهين .