تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
قيل : في حرف حفصة : « وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، قالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ، فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية اللّه » كأن في الآية إضمارا ، يبين ذلك حرف حفصة ، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى يكون قوله - تعالى - :
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ . . .
الآية - جوابا له . وقوله - عزّ وجل - :
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ . . .
فإن كانت الآية في المنافقين ، فهو على الإنكار قالوا ذلك ، وإن كانت في المؤمنين فهو يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال عليهم ، طلبوا أي حكمة في فرض القتال علينا ؟ وقد تطلب الحكمة في الأشياء ، ولا عيب يدخل في ذلك ، وأصله : أن كل آمر - في الظاهر - من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر ؛ فيخرج سؤاله مخرج الخضوع والتضرع له ، ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال ، فهو يخرج على الأمر والنهي ، وهو الأمر الظاهر في الناس . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
معناه - واللّه أعلم - : إنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها ، إنما خلقناكم للآخرة وللمقام فيها ، فلو خلقتكم للدنيا ثم كتبت عليكم القتال - لكان ذلك عبثا خارجا عن الحكمة ، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها . ويحتمل قوله - تعالى - :
يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
وقوله - تعالى - :
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ . . .
إلى آخره ، أن لم يقولوا ذلك قولا ، ولكن كان ذلك خطرا في قلوبهم ، فأخبرهم نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما أضمروا « 1 » ؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك باللّه - تعالى - ليدلهم على نبوته ورسالته . وقوله - عزّ وجل - :
لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
فنموت حتف أنفنا ولا نقتل ، قتلا ؛ فيسرّ بذلك الأعداء ؛ كقوله :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ يونس : 85 ] وفي القتل فتنة . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
يحتمل وجهين : أحدهما : ما ذكرنا : أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا ، ولكن إنما خلقوا لمتاع الآخرة . والثاني : أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة ، كقوله - سبحانه وتعالى - :
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
[ التوبة : 38 ] ، وكقوله - تعالى - :
أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
[ الشعراء : 205 -
هامش
( 1 ) في ب : أخبروا .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 263 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم