تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
عليه ما لم يكن في غيرها ، وإن كان من حيث قدرة اللّه - تعالى - واحد ؛ فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية ، لا اختيارية ، أو سخط بحكم الرب ، وهو كالذي جاء من قوله - تعالى - :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ . . .
الآية [ البقرة : 216 ] . وقوله - على ذلك - :
رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ . . .
الآية ، يحتمل وجهين : أحدهما : الخبر عما في طباعهم ، كما قال - عزّ وجل - :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ . . .
الآية [ البقرة : 216 ] ، وقال [ النبي ] « 1 » صلى اللّه عليه وسلم : « حفّت الجنّة بالمكاره » « 2 » وإنما ذلك على الطبع فذلك الطبع كالسائل عن ذلك ، وربما يضيفون القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له ، فعلى ذلك هذا ، واللّه أعلم . ويحتمل : أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر فيما علم أنهم يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو ، ولا يملكون أنفسهم في ذلك الوقت ؛ فأخبر اللّه - عزّ وجل - أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع بالدنيا « 3 » ، ولو صوروا متاع الآخرة في قلوبهم لذهب عنهم ذلك ، ويثبتون للعدو ، ولا يبالون للعدو بما يحل بهم ، ولا يخشون لذلك ، وكأنه وعد لهم أن متاع الآخرة لكم على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم ، وما وعد لكم عليه خير من متاع الدنيا . وأيضا : أن يقال : إن هذا وإن عظم هوله على الطبع ، فإنه إذا كان للّه بحق العبادة لهو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر ؛ إذ يريهم اللّه متاع الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة ؛ فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت فهو خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت ، ولا ذلك منه ، كما قيل في تأويل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » « 4 » إن المؤمن يرى ما له من الكرامة ؛ فيحب الموت أن يعجل به ؛ ليصل إلى ذلك ، والكافر يرى سخطه فيكرهه ، وعلى هذا تأويل القول في الدنيا أنها : « سجن المؤمن وجنّة الكافر » « 5 » أن تكون كذلك في ذلك الوقت ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 11 / 327 ) كتاب الرقاق : باب حجبت النار بالشهوات ( 6487 ) ، ومسلم ( 4 / 2174 ) كتاب الجنة وصفه نعيمها ( 2822 ) . ( 3 ) في ب : في الدنيا . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 11 / 364 ، 365 ) كتاب الرقاق : باب من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ( 6507 ) ، ومسلم ( 4 / 2065 ، 2066 ) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار : باب من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، رقم ( 15 - 2684 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2272 ) كتاب الزهد ( 1 / 2956 ) ، والترمذي ( 4 / 286 ) كتاب الزهد : باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن ( 2324 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 261 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم