تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وتأويل آخر : أن تكون الآية في المنافقين : أنه يظهر عليهم النفاق وقت المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات ، قال اللّه - تعالى - :
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ . . .
الآية [ محمد : 20 ] ، بين ما نزل بالمنافقين ، وكذلك قوله - تعالى - :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ . . .
الآيات [ الأحزاب : 18 ] - واللّه أعلم - فيمن نزلت الآية ، لكنها معلوم أن فيها ترغيبا فيما عند اللّه ، وتزهيدا في الدنيا ، ودعاء إلى الرضا بحكم اللّه - تعالى - فيما خف وثقل ، واللّه المستعان . وعلى التأويل الآخر : جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين ، مذكور ذلك في الآيات التي ذكرتها ، وفيهم قال اللّه - تعالى - :
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ . . .
الآية [ الأحزاب : 16 ] ، وغير ذلك مما دل على إنكارهم ، وفضل خوفهم في ذلك ، واللّه أعلم . فإن قال قائل : كيف قال اللّه - تعالى - :
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
وقد هلك به أكثر البشر ؟ قيل : قد يخرج على وجوه - واللّه أعلم - : أحدها : أنه يضعف كيده على من تعوّذ باللّه - تعالى - كقوله - تعالى - :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ . . .
الآية [ الأعراف : 200 ] ، وإنما يقوى على من جنح له ، ومال إلى ما دعاه إليه ؛ كقوله - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ . . .
الآية إلى قوله - تعالى - :
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
[ الأعراف : 201 - 202 ] . والثاني : أن يكون ضعيفا على المقبل على ربه ، والذاكر له في أحواله ، والمفوض أمره إلى ربه ، فأما من تولاه وأقبل على إشارته فهو الذي جعل له السلطان على نفسه بما آثره في شهواته ، ومال به هواه ، وهو كقوله - تعالى - :
لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا . . .
الآية [ النحل : 99 ] ، وقد سماه اللّه - تعالى - :
الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ
[ الناس : 4 ] ، بما يخنس بذكر اللّه - تعالى - ويوسوس عند الغفلة عن اللّه ، فكان سلطانه به ، واللّه الموفق . والثالث : أنه لا يملك الجبر والقهر ولا اكتساب الضرر في الأبدان والأموال ، فهو ضعيف ، واللّه أعلم . والرابع - واللّه أعلم - : أن يكون كان ضعيفا ، أي : صار ضعيفا عند نصر اللّه ومعونته ، واللّه أعلم . ويحتمل : كان ضعيفا لو ظهر ، حتى يعلم أنه شيطان ، لكن قوى بما لا يعلم المغرور أنه كيده وتغريره ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 262 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم