تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
والجن ؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم ؟ ! فإذا كان كذلك بعثوا منهم ؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة ، واللّه أعلم . ثم المنة الثانية : حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحسبهم لم يبعثهم من غيرهم ؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة ، فبعثهم منهم « 1 » ؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم ، لمّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك ؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على اللّه تعالى . والثاني : أنهم إذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون : إنما كان ذلك بتعليم من أحد ، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا ، بعثهم اللّه منهم ؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد ، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك باللّه - تعالى - لا بأحد من البشر ، واللّه أعلم . ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات اللّه عليه - من الآيات من نحو : العصا ، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحرا في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته : لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط ، وقد نشأ بين أظهرهم ، فكيف ولم يكن سحرا ؟ ! فدل أن للّه على خلقه منة عظيمة ؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم ، وممن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا ، واللّه أعلم . وقيل : قوله :
رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ،
أي : من العرب معروف النسب أميّا « 2 » ؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويّا وحيا ، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله ، كقوله :
وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
الآية [ العنكبوت : 48 ] . وقوله - عزّ وجلّ - :
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ :
يحتمل : إعلام رسالته ونبوته ، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين ، هما واحد ، ويحتمل : آيات القرآن . وقوله - عزّ وجل - :
وَيُزَكِّيهِمْ :
يحتمل : التزكية من الزكاء والنماء ، وهو أن أظهر ذكرهم ، وأفشى شرفهم ومذاهبهم ؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم ؛ كقوله - تعالى - :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
هامش
( 1 ) في ب : منة . ( 2 ) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب ( 2 / 232 ) عن عائشة موقوفا ، وذكره السيوطي في الدر ( 2 / 165 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن عائشة .