تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
يرحم أهل الأرض لم يرحمه أهل السّماء » « 1 » ؛ كما قال اللّه - تعالى - :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
[ الجاثية : 14 ] الآية ، وقد أمر اللّه عباده أن يعامل بعضهم بعضا بالرحمة واللين ، إلا عند المعاندة والمكابرة ؛ فحينئذ أمر بالقتال ؛ كقوله لموسى وهارون - حيث أرسلهما إلى فرعون - فقال :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] ، وكان اللين في القول أنفذ في القلوب ، وأسرع إلى الإجابة ، وأدعى إلى الطاعة من الخشن من القول ، وذلك ظاهر في الناس ؛ لذلك أمر اللّه - عزّ وجل - رسلهم باللين من المعاملة ، والرحمة على خلقه ، وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها ، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
[ في القول ] « 2 »
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
أي : لو كنت في الابتداء فظّا غليظا لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك « 3 » . وقوله - عزّ وجلّ - :
فَاعْفُ عَنْهُمْ
بأذاهم إياك ولا تكافهم ، واستغفر لهم فيما بينهم وبين ربهم . ويحتمل قوله :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
بما عصوك ولا تنتصر منهم ، وكذلك أمر اللّه المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم ، وألا ينتصروا منهم بقوله :
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
[ البقرة : 109 ] وكان أرجى للمؤمنين قوله :
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ؛
كما قال اللّه - تعالى - :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ . . .
الآية [ الجاثية : 14 ] ، وقوله - أيضا - :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ محمد : 19 ] : لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل ، وإذا فعل لا يجاب ؛ فدل أنه ما ذكرنا ، واللّه أعلم . وكذلك دعاء إبراهيم - عليه السلام - :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
[ إبراهيم : 41 ] ، ودعاء نوح - عليه السلام - :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 10 / 452 ) : كتاب الأدب : باب رحمة الناس والبهائم ( 6013 ) ، ومسلم ( 4 / 1809 ) : كتاب الفضائل : باب رحمته صلى اللّه عليه وسلم ، رقم ( 2319 ) ، ولفظه : « من لا يرحم الناس لا يرحمه اللّه » ، من حديث جرير بن عبد اللّه . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط من ب . ( 3 ) في ب : من عندك .