تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
وألبانها ، وكان من أحب الطعام إليه ، إن ثبت ما ذكر في القصّة : أن يعقوب - عليه السلام - أقبل يريد بيت المقدس ، فلقيه ملك ، فظن يعقوب أنه لص ؛ فعالجه « 1 » يصارعه حتى أضاء له الفجر ، فلما أضاء لهما الفجر غمز الملك فخذ يعقوب ، فتهيج عليه عرق النسا « 2 » ؛ فكان يبيت الليل ساهرا من وجعه ، فأقسم : لئن شفاه اللّه ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب إليه على نفسه ؛ فشفاه اللّه من ذلك ؛ فحرم لحم الإبل وألبانها ؛ لأنها من أحب الطعام والشراب إليه « 3 » . فإن ثبت هذا فهو إنما حرم ذلك على نفسه بالإذن من اللّه - تعالى - والأمر منه . ثم إن اليهود قالوا : إنما كان تحريم ذلك من اللّه في التوراة ؛ فأمر اللّه - تعالى - نبيّه أن قل لهم :
فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ :
أن ذلك التحريم من اللّه في التوراة « 4 » . ويحتمل أن يكون التحريم كان بظلم منهم ؛ كقوله - تعالى - :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ . . .
الآية [ النساء : 160 ] ؛ ثم أنكروا تحريم ذلك بظلمهم ، فدعوا بإحضار التوراة ؛ ليظهر كذبهم ، فأبوا ذلك « 5 » .
هامش
( 1 ) يقال : عالجه فعلجه علجا : إذا زاوله فغلبه فيها ، أي : في المعالجة . الوسيط ( 2 / 620 ) ( علج ) . ( 2 ) النسا : العصب الوركي ، وهو عصب يمتد من الورك إلى الكعب ، مثناه : نسوان ، ونسيان ، والجمع : أنساء . ينظر : الوسيط ( 2 / 920 ) ( نسا ) . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي ( 2 / 87 ) وجعله من قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي . والذي حرّمه يعقوب على نفسه في هذه القصة العروق . أما تحريم لحوم الإبل وألبانها ففي حديث آخر : فعن ابن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمهن إلا نبيّ فكان فيما سألوه : أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه قبل أن تنزل التوراة ؟ قال : فأنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب عليه السلام ، مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر للّه نذرا : لئن شفاه اللّه من سقمه ليحرمن أحبّ الشراب إليه وأحب الطعام إليه ، فكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل ، . وأحب الشراب إليه ألبانها . فقالوا : اللهم نعم . أخرجه أحمد ( 1 / 273 ، 278 ) ، والترمذي ( 3117 ) ، والحاكم ( 2 / 292 ) ، والطبري ( 4720 ) من طرق عن ابن عباس . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي ( 8 / 123 ) ، اللباب ( 5 / 394 ) . ( 5 ) قال القرطبي : اختلف : هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من اللّه تعالى ؟ والصحيح الأول ؛ لأن اللّه - تعالى - أضاف التحريم إليه بقوله - تعالى - :إِلَّا ما حَرَّمَ[ آل عمران : 93 ] ، وأن النبي إذا أداه اجتهاده إلى شيء كان دينا يلزمنا اتباعه ؛ لتقرير اللّه - سبحانه - إياه على ذلك ، وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه ، كذلك يؤذن له ويجتهد ، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه . ولولا تقدم الإذن له في تحريم ذلك ما تسوّر على التحليل والتحريم . ينظر : تفسير القرطبي ( 4 / 87 ) .