تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
البشرية الكتاب ولا النبوة ؛ إنما يؤتى النفس البسيطة ، وهي الروحانية ، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء ، ويؤيدهم حتى يؤلفوا ؛ كقوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ الشعراء : 193 - 195 ] فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف ، لا يقدر غير الرسل على ذلك ، ثم الناس يأخذون ذلك منهم ؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم ؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
وكذلك قال عيسى - عليه السلام - في المهد :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا .
وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ،
وخاصّة في عصمة رسولنا - محمد صلى اللّه عليه وسلم - قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ الأحزاب : 57 ] ، وقال :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا
[ الأحزاب : 58 ] : شرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به الأذى ، ولم يشترط في النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ دل أنه لا يكون منه اكتساب ما يستوجب به الأذى ، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك ، واللّه أعلم . وقوله :
وَلكِنْ كُونُوا :
معناه ، أي : ولكن يقول لهم : كونوا ربّانيين ؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم :
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ .
ثم اختلف في
رَبَّانِيِّينَ
قيل : متعبدين للّه بالذي يعلّمون الكتاب ، وبالذي يدرسونه . وقيل : الربانيون « 1 » : العلماء الحكماء « 2 » . وقيل : حكماء علماء . وقيل : علماء فقهاء . وهو واحد « 3 » .
هامش
( 1 ) قال سيبويه : الرباني : المنسوب إلى الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته ، ينظر : تفسير الرازي ( 8 / 98 ) . ( 2 ) قاله ابن مسعود ، أخرجه عنه ابن المنذر كما في الدر المنثور ( 2 / 83 ) . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه عنه ابن جرير الطبري ( 6 / 542 ) برقم ( 7313 ) ، وابن أبي حاتم ( 2 / 366 ) ( 859 ) ، وقال الطبري : وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني ، وأن الرباني المنسوب إلى « الربان » الذي يربّ الناس ، وهو الذي يصلح أمورهم ويربها ، ويقوم بها . . . فالربانيون إذن هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا ؛ ولذلك قال مجاهد : « وهم فوق الأحبار » ؛ لأن الأخبار هم العلماء ، والرباني : الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير -
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 414 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم