تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
قال بعضهم : عينها حلال ليس بمحرم . وقال آخرون : عينها محرمة لكن التناول منها مباح . وهو قول أصحابنا رحمهم الله . فمن قال بحل عينها للضرورة ذهب إلى أن الحظر والإباحة لا يقع في الأصل لعين الشئ ، ولا يتكلم فيها بحل ولا حرمة بحيث العين ، بل الحرمة والحل هي الواردة عليها ، موجبة حق الحرمة ، ثم الحرمة ترتفع بالضرورة . فيبقى عينه على ما كان في الأصل . ومن قال بحرمة عينها وبحل التناول منها ذهب إلى أن الحرمة حدثت لما كانت ميتة ومهلّا لغير وجه الله . فحدوث الحل للضرورة يدل على أن العلة كانت هي الضرورة في حق رفع حرمة التناول ، ولم ترفع حرمة عينها إلا أنه أبيح التناول منها للضرورة على بقاء الحرمة . ولكن يجب ألا يتكلم في هذا ومثله بحرمة العين وحلها بعد أن تكون الإباحة للضرورة ؛ إذ لله أن يحل عينا محرمة في حال الاضطرار ، وله أن يحرم عينها ويحل التناول منها للاضطرار . فالتكلم فيه فضل وتكلف . وبالله التوفيق .
هامش
- ثمن المثل ؛ لأنه خلص من الهلاك بذلك فيرجع عليه بالبدل ، فإن اختلفا في ذكر العوض صدق المالك بيمينه ؛ إذ لو لم يصدق لرغب الناس عن إطعام المضطر ، وأفضى ذلك إلى الضرر . ثانيا - الشروط العامة المختلف فيها : اختلف فقهاء المذاهب في بعض الشرائط المبيحة لأكل الميتة ونحوها من المحرمات للمضطر : فاشترط الشافعية أن يكون المضطر نفسه معصوم الدم . فإن كان المضطر مهدر الدم شرعا كالحربي ، والمرتد ، وتارك الصلاة الذي استوجب القتل ، لم يجز له أكل المحرمات من ميتة أو غيرها إلا إذا تاب . أما مهدر الدم الذي لا تفيد توبته عصمة دمه : كالزانى المحصن ، والقاتل في قطع الطريق الذي قدر عليه الحاكم ، فقيل : لا يأكل الميتة حتى يتوب وإن لم تكن توبته مفيدة لعصمته . وقيل : لا يتوقف حل الميتة له على توبته . واشترط الشافعية والحنابلة ألا يكون المضطر عاصيا بسفره أو بإقامته . فإن كان كذلك لم يحل له تناول الميتة ونحوها حتى يتوب . والعاصي بسفره أو بإقامته هو الذي نوى بسفره أو إقامته المعصية ، أي : هو الذي سافر أو أقام لأجل المعصية ، كمن خرج من بلده ناويا قطع الطريق ، وكذا الذي قصد بسفره أو إقامته أمورا مباحة ثم قلبه معصية : كمن سافر أو أقام للتجارة ثم بدا له أن يجعل السفر أو الإقامة لقطع الطريق . وأما العاصي في أثناء السفر - وهو من سافر سفرا مباحا ، وفي أثناء سفره عصى بتأخير الصلاة عن وقتها ، أو بالزنى وهو غير محصن ، أو بالسرقة أو نحو ذلك - فلا يتوقف حل أكله للميتة ونحوها على توبته . ومثله العاصي في إقامته ، كمن كان مقيما في بلده لغرض مباح ، وعصى فيها بنحو ما سبق ، فإنه يباح له الأكل من المحرم إن اضطر إليه من غير توقف على التوبة . والوجه لمنع المسافر سفر معصية أن أكل الميتة رخصة ، والعاصي بسفره أو إقامته ليس من أهلها ، وأيضا في الأكل المذكور عون على المعصية فلا يجوز . أما الحنفية والمالكية ، فقالوا : لا يشترط في المضطر عدم المعصية ، لإطلاق النصوص وعمومها . ينظر : أحكام القرآن للجصاص ( 1 / 150 ) ، والمحلى لابن حزم ( 7 / 426 ) ، وحاشية ابن عابدين ( 5 / 215 ، 265 ) ، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي ( 1 / 323 ) .