وأصله قوله عزّ وجل :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] ، وقوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] ، حرم عليهم إلقاء أنفسهم إلى المهالك ، وقتلهم الأنفس . وفي دفع هذه الرخصة عنه إباحة محرم ، وهو أعظم منه عليه . فلم يفعل ؟ وأما [ من ] قال : بأن من قتل فأوى إلى الحرم ، فإن أهله نهوا عن مؤاكلته ومشاربته ، ولم ينه في نفسه الأكل والشرب ، إذ لا يقدر أحد منعه عن ذلك . فالقول في مثله تكلف . فكذا الأول . والله أعلم .
ثم المسألة في القدر الذي يجوز أن يتناول منها .
فعندنا : أن الإباحة كانت للاضطرار ، فهو على القدر الذي له الدفع والإزالة ، وذلك بدون ما فيه شدة المجاعة ، وذلك الأصل في انتفاء الضرورة .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 174 إلى 176 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )
وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
: أي في الكتاب يحتمل هذا وجهين :
يحتمل : أن كتموا ما في كتبهم من بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله ، وصفته .
ويحتمل : ما كتموا من الأحكام والشرائع من نحو الحدود والرجم وغير ذلك من الأحكام . وقد ذكرنا هذا فيما تقدم .
وقوله :
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
.
قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم .
وقوله :
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
.
يحتمل وجهين :
يحتمل : ما يأكلون في دنياهم إلا أوجب ذلك لهم في الآخرة أكل النار .
ويحتمل : ما يأكلون في دنياهم إلا أكلوا في الآخرة عين النار .
وقوله :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
.
قيل : لا يكلمهم بكلام خير ، ولكن يكلمهم بغيره ، كقوله :
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 108 ] .
وقيل « 1 » : لا يكلمهم غضبا عليهم ؛ يقال : فلان لا يكلم فلانا ، لما غضب عليه .
هامش
( 1 ) قاله البغوي بنحوه ( 1 / 141 ) .