تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
هامش
- شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطر : إن الفقهاء في كلامهم عن الاضطرار وأحكامه الاستثنائية لم يجمعوا شروط إباحة الميتة وغيرها من المحرمات لمضطر تحت عنوان خاص بالشروط ، بل يجدها المتتبع مفرقة في خلال المسائل والأحكام . ويستخلص من كلامهم عن حالات الاضطرار وأحكامها أن الشروط الشرعية التي يشترطها فقهاء المذاهب لإباحة المحرمات للمضطر نوعان : شروط عامة متفق عليها بين المذاهب لجميع أحوال الاضطرار ، وشروط عامة اشترطتها بعض المذاهب دون سواها . وفيما يلي بيان ذلك : أولا - الشروط العامة المتفق عليها : يشترط في إباحة الميتة ونحوها للمضطر بوجه عام ثلاثة شروط : الأول - ألا يجد طعاما حلالا ولو لقمة ، فإن وجدها وجب تقديمها ، فإن لم تغنه حل له المحرم . الثاني - ألا يكون قد أشرف على الموت بحيث لا ينفعه تناول الطعام ، فإن انتهى إلى هذه الحالة لم يحل له المحرم . الثالث - ألا يجد مال مسلم أو ذمي من الأطعمة الحلال ، وفي هذا الشرط بعض تفصيل بيانه فيما يلي : قال الحنفية : لو خاف المضطر الموت جوعا ، ومع رفيقه طعام ليس مضطرا إليه فللمضطر أن يأخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعته ، فإن لم يكن معه ما يؤدى به القيمة حالا لزمته دينا في ذمته . وإنما تلزمه القيمة ؛ لأن من القواعد العامة المقررة عندهم : أن الاضطرار لا يبطل حق الغير . وكذا يأخذ من الماء الذي لغيره ما يدفع العطش ، فإن منعه صاحبه قاتله المضطر بلا سلاح ؛ لأن الرفيق المانع في هذه الحال ظالم . فإن خاف الرفيق جوعا أو عطشا ترك له بعضه . ولا يحل له أن يدفع الجوع أو العطش بالمحرمات كالميتة والخمر مع وجود حلال مملوك لغيره ليس مضطرا إليه ، والمضطر قادر على أخذه ولو بالقوة . وجوز المالكية في هذه الحال مقاتلة صاحب الطعام بالسلاح بعد الإنذار ، بأن يعلمه المضطر أنه مضطر ، وأنه إن لم يعطه قاتله ، فإن قتله بعد ذلك فدمه هدر ؛ لوجوب بذل طعامه للمضطر ، وإن قتله الآخر فعليه القصاص . وقال الشافعية والحنابلة : لو وجد المضطر طعاما لغيره ، فإن كان صاحبه غائبا ولم يجد المضطر سواه ، أكل منه وغرم عند قدرته مثله إن كان مثليا ، وقيمته إن كان قيميا ؛ حفظا لحق المالك . فإن كان صاحبه حاضرا ، فإن كان ذلك الحاضر مضطرا أيضا لم يلزمه بذله للأول إن لم يفضل عنه ، بل هو أولى ؛ لحديث : « ابدأ بنفسك . . . » ، لكن يجوز له إيثاره على نفسه إن كان الأول مسلما معصوما ، واستطاع الثاني الصبر على التضييق على نفسه . فإن فضل بعد سد رمقه شئ لزمه بذله للأول . وإن لم يكن صاحب الطعام الحاضر مضطرا لزمه إطعام المضطر . فإن منعه ، أو طلب زيادة على ثمن المثل بمقدار كثير جاز للمضطر قهره ، وإن أدى إلى قتله ، ويكون دم المانع حينئذ مهدرا . وإن قتل المالك المضطر في الدفع عن طعامه لزمه القصاص . وإن منع المالك الطعام عن المضطر فمات هذا جوعا لم يضمنه المانع بقصاص ولا دية ؛ لأنه لم يحدث فعلا مهلكا . فإن لم يمنع المالك الطعام ، ولكن طلب ثمنا ، ولو بزيادة على ثمن المثل بمقدار يسير لزم المضطر قبوله به ، ولم يجز له قهره . ولو أطعمه ولم يذكر عوضا فلا عوض له على الأرجح ؛ حملا له على المسامحة المعتادة في الطعام ، ولا سيما في حق المضطر . وقيل : يلزمه -